السبت 27 مايو 2017 م - ٣٠ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / هذا.. إن كان هذا يعني لكم شيئًا

هذا.. إن كان هذا يعني لكم شيئًا

علي عقلة عرسان

تعالوا نتوقف قليلًا عند كلمات آراء ودعوات، ذات دلالة كبيرة وخطيرة، التي صدرت وتصدر بتواتر خلال السنة الحالية ٢٠١٥، السنة الخامسة من عمر الحرب/الفتنة في سوريا: “سوريا ستقسّم إلى ست دويلات على الأقل.”، “الجيش السوري لم يعد له وجود.”،”نشهد انحلال السلطة السورية بالكامل.”، “المستعمرات العربية في “كردستان الغربية، أي لمقصود شمال شرق سوريا” يجب أن تُزال، ويُرحّل سكانها.”، “علاقة الأغلبية اليهودية مع الأقلية الدرزية في إسرائيل، هي “تحالف الدم”. وحمام الدماء في سوريا يهدد الأقلية الدرزية في تلك البلاد الوحشية والبائسة.. على إسرائيل أن تتدخل”.. هذا وغيره من التعابير والمواقف والتصريحات التي تتناول سوريا، وتصف الوضع الراهن فيها، وتحرض عليها وعلى ما تبقى منها.. ومعظم هذه الأقوال، التي أشرنا إلى بعضها، صدر عن سياسيين وقيادات عسكرية صهيونية، وعن أميركيين وحلفاء لهم. ولا أشير هنا إلى آراء ومواقف أخرى كثيرة، لدول وهيئات ومنظمات دولية، ومراكز أبحاث، وشخصيات.. تصف سوريا بالكثير مما لا يليق بها، ولا بشعبها، ولا بتاريخها. فما هو يا ترى موقف السوريين من هذه الأقوال وسواها، من هذه الأوضاع وسواها.. التي تستهدف بلدهم وتشير إلى بعض ما آل إليه الوضع فيه، مما يفتح شهية الطامعين به، والمتآمرين عليه؟!.. إذ سوريا هي وطن الجميع، ومسؤولية الجميع، سلطة ومعارضات، أكثرية وأقليات، طوائف ومذاهب وديانات وعرقيات، أولًا وقبل كل شيء، وفي نهاية المطاف، أي مطاف؟!
لا أعرف كيف يكون وقع مثل هذه الكلمات، الأحكام، المواقف، على السوريين، ولا كيف سيتعاملون معها، هذا إن كان لديهم وقت وهامش اهتمام بما هو خارج حدود الاقتتال الداخلي الذي ملك عليهم وجودهم، أو كاد.. وهم الذين تقول معظم تنظيماتهم وشخصياتهم السياسية ومرجعياتهم، والأطراف المتصارعة بوحشية فيما بينها، من أبنائها ومن يتحالف أو يتعاطف من غير السوريين ممن يدعون الحرص على سوريا والعروبة والدين؟! ولكنني أعرف وأسمع وأقرأ، أن معظم السوريين المتصارعين حتى التوحش، يقولون عن الكيان الصهيوني، الذي يقف وراء الكثير مما حدث ويحدث في سوريا، ومما قيل ويقال عنها مما أشرت إلى بعضه.. يقولون: إنه العدو الأول لسوريا، المحتل الغاصب لفلسطين والجولان، الخطر الأكبر على سوريا خاصة، وعلى العروبة والإسلام عامة، والمعوِّق لكل نهضة علمية ـ تقنية، وكل تقدم حقيقي في بلدان العرب والمسلمين، ولكل تعاون وتآلف فيما بينها؛ وإنه الكيان القائم على عقيدة دينية “يهودية” عنصرية استئصالية للآخرين، ويمارس سياسة إبادة ضد الشعب الفلسطيني، ويشوه كل الحقائق والوقائع، لكي يبقى ويتوسع ويقوى، ويعمل على أن يخلق نماذج: “عرقية، وطائفية، عنصرية” نظيرة له، في الوطن العربي، لا سيما في بلاد الشام والعراق، لكي يسوِّغ مشروعه ووجوده ونهجه العنصري، وليحتج بوجودها على أهمية ومشروعية وجود كيانه العنصري على هذا النحو، وإنه الوحيد في المنطقة الذي يملك سلاحًا نوويًا، يهدد به دولها جميعًا، ولا يسأل عن ذلك ولا يحاسب عليه، وإنه الكيان الذي عمل ويعمل بدأب على تفتيت سوريا وتدميرها، لأنها الدولة الوحيدة من بين الدول العربية التي تقف منه موقفًا رافضًا لا يلين، وتطالب باستعادة الأرض المحتلة، وتناصر الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة، بوصفها قضية سوريا بامتياز؟! نعم إن معظم السوريين يقولون ذلك، ويؤمنون به، وإنه إذا وُجد من يخالف ذلك، ويمكن أن يوجد، فإنه لا يجرؤ على الجهر بما يعارض توجهاهت الشعب تلك، إلا إذا كان عميلًا يقبع في حضن من يستخدمه.
لقد اختلفت المواقف والآراء والرؤى فيما بين السوريين، ووصلت حدّ التضاد والتناقض التامين، بل وحدَّ القطيعة والاحتراب، وتساقي كؤوس الردى، لا سيما في السنوات الخمس الأخيرة.. وحدّ تماهي الأشخاص والأطراف مع من يقول قولًا إو يقف موقفًا، يهدم الأشخاص والأطراف الأخرى المخالفة أو المضادة، ويقع كل صنف من الأقوال والمواقف موقعًا مقبولًا يستوجب التعاطف والمناصرة، أو ممقوتًا يستوجب المعاداة والإهلاك، لدى هذا الطرف أو ذاك.. في حين أن المستهدَف في النهاية هم جميعًا ووطن الجميع، الذي يقول كل منهم إنه وطنه الوحيد، وإنه يحرص عليه، ويدافع عنه، ويريد له الخير.. وأن المستهدَف أيضًا بالنتيجة هو الحقائق التي يمكن أن تُبنى عليها أسس العدالة، والسلم، والأمن، والحرية، وما يسمونه نظام حكم راشد، سواء أكان ديمقراطية أم غيرها من أنظمة الحكم.. والتي تُبنى عليها أيضًا العلاقات الاجتماعية الإيجابية السليمة، التي تساعد على التعاون والتفاهم ووأد الفتنة، وحماية الناس؟! نعم لقد ذهب السوريون في صراعاتهم الدامية، المستمرة منذ اثنين وخمسين شهرًا، والمرجحة إلى الاستمرار والتصاعد.. ذهبوا إلى الخوض في دماء بعضهم بعض، وفي أعراض بعضهم بعضًا، وإلى الارتماء في أحضان من ينصر فريقًا منهم على فريق ـ وهم فرقاء وفرق شتى ـ وغرق كل منهم في مستنقعات الحقد، والكراهية، والثأر، والقتل، والفتنة المذهبية البغيضة، التي لا تبقي الساقط فيها على شيء من سلامة دينه ونفسه وعقله ويقينه، وغطسوا في ذلك وسواه، وران عليهم الماء، إلى الحد الذي لا يُتوقع معه أن تخروج منه أجيال منهم وأجيال، معافاة وقابلة للتعايش والتقدم والنهوض بالوطن، والانتماء المعافى للأمة.. هذا إذا ما بقي حالهم هذا الحال، وتصاعد ما بينهم، وما ينذر به واقعهم ومستقبلهم، من كوارث وأهوال، تأتي على ما بقي من سوريا ودورها المركزي في القضايا العربية والإسلامية.
لقد حملنا، نحن السوريين، السلاحَ على بعضنا بعضًا، بشراسة وشجاعة واستدامة واستماتة، لم يكن لنا مثلها مع العدو الصهيوني المحتل، وتبادلنا ما لا يمكن تخيله من التهم، والإساءات، والشتائم، والعبارات التي لا توصف، من حيث حدتها وانحدار مستواها ومراكمة فساد أنفس وضمائر وعقول على فساد أحوال وأوضاع وعلاقات وأحوال وأموال.. لقد توعد، ويتعد، كل منا الآخر بمصير أسود، يعد له ويستعد، ويطلب له أنصارًا، ويبدي استعدادًا لعقد صفقة مع الشيطان ذاته، لكي يحقق على غريمه “الانتصار”؟! ولذلك كله لا أدري كيف ينظرون السوريون إلى ذلك الآتي من خارج دائرة انتماء كل منهم إلى وطن، وأمة، وعقيدة، وهوية ثقافية وقومية ووطنية مستهدَفة، ولا إلى أقواله، وأفعاله، وأمواله، ووعوده وعهوده، وما يلزم به نفسه في هذا المجال أو ذاك؟! ولا كيف يمكن أن يلفت نظرهم تهديد عدوهم الألد “إسرائيل”، ووعيده لهم وتوعده لوطنهم.. لا سيما بعد حقيقة ما أصبح عليه من قوة وتفوق، وما أصبحنا عليه من انحدار إلى مهاوي الضعف، والتمزق، والتطرف، والكراهية، والتناحر المدمر، والتقاتل الفتنوي الغبي.. الذي أخَّرَنا عشرات السنين إلى الوراء، وأعاد وطننا إلى عمران ما قبل الكهرباء؟!
يدرك كل معنيِّ ومسؤول من أولئك الذين “يرفعون قاماتهم فوق قامة الشعب والوطن؟!”، ويرون الناس والأرواح والدماء والمعاناة المرة مجرد أرقام، وقطع تبديل، وأدوات، في خدمة طموحاتهم العظيمة؟!”.. يدركون أن مزيدًا من الحرب تعني مزيدًا من الجنون، والموت، والدمار، والضعف، والحقد في أوساط السوريين من جهة، وفي أوساط العرب والمسلمين من جهة أخرى؛ وأنها إنما ترسخ الانهزام أمام العدو المحتل لعقود من الزمن، بعد الذي “أنجز؟!” من تخريب وتدمير للجيش والبنى التحتية والعمران والصناعة والزراعة والثقة بين أبناء البيت الواحد، الوطن العزيز.. مما هو معروف للقاصي والداني.. ويدركون أن أي حل عسكري، مهما كانت ضروراته وأهميته ونتائجه، إنما هو بداية لمرحلة جديدة من الحرب وليس نهاية تامة وشاملة ودائمة لها، لأن كل الجراح ستؤلم أكثر عندما تبرد أكثر وتتوذم أكثر، ولأن الثارات ستكبر، والهامات ستبقى تصيح مطالبة بذلك الثأر لها ولمن يتمهم القتل، ولأن أشكال القمع والظلم والإرهاب والعذاب وهزائم الأجساد لا تنتج هزائم الأرواح، ولا تفضي إلى إفناء إرادة الطرف المصاب بها، بل غالبًا ما تفضي إلى وضعه في حالة من الوعي الضيق بالذات، وبما حل بها، وبما تستدعيه منه الهزيمة من استعداد، وأن يعيد النظر في أحواله وقدراته وإمكانياته وأدواته ووسائله، لكي يقوم باسترداد ما فقد، أي بالثأر لقتلاه، واسترداد حقوقه وكرامته وحريته وشعوره بإنسانيته المنتهكة.. وهكذا تدور عجلة الصراع إلى أن يُبعث العقلُ وتُبعث الحكمةُ ويُفرضَ السلم، العدل، الحب.. بقوة إعجازية، تحكم من يحكمهم الحقد والسلاح والتسلط، ومن تحكمهم الفتنة وعصبياتها وعُصابياتها. ويدرك معظم أولئك “العناترة” العتاة، أنه حينما يؤول أمرهم جميعًا إلى الهُزال التام، سيتقدم عدوهم الألدّ، عدو شعبهم ووطنهم ودينهم وهويتهم، ليسحق من لا يستسلم له، وليضع المستسلمين له في خدمته، وتحت احتلاله، ورهن برامجه البطيئة المعتَمَدة للإبادة، إبادة الجسد وإبادة الإرادة. وفي ظني. بل في يقيني، أنهم جميعًا يدركون أن حلًّا سياسيًّا توافقيًّا سيكون في صالح كل منهم، وفي صالح الشعب والوطن والأجيال القادمة من السوريين، الذين يعاني أطفالهم من الأمية والأنيمية والجوع، ومن انعدام فرص التربية السليمة، والتعلم بدرجاته ومستوياته وأبعاده وفوائده، ومن سلامة النمو العقلي، والروحي، والثقافي، والوطني، والإنساني السليم، بسبب، وبعد كل، ما أصابهم من فقر، وقهر، وجوع، وبؤس وتشريد، وخوف.
وربما.. نقول ربما، تذرعًا بالأمل الفائق الوصف والتخيل والتخييل، الذي قد ننتظر أن ينصب علينا من مزْنٍ مثقلات بحمولاتها من عطاء السماء .. نقول ربما.. وهذا يدخل في باب رابع المستحيلات، حسب تعداد العرب لثلاثة منها، هي: “الغول، والعنقاء، والخل الوفي..”، قد يدخل في ذلك الباب، أن يتواضع “العناترةُ السوريون” من كل الأطراف، والتصنيفات، والأوصاف، والمواصفات، والمواقع.. فيقرروا وضع البلطات جانبًا، والجلوس إلى مائدة الوطن الثريّة، بكل معاني الثراء وأبعاده وتأويلاته، وليس إلى طاولات التفاوض العقيمة، الزاخرة بما تحتها وما فوقها، ولا حتى في حلقات الحوار الذي لم يكن صحيًا بالقر الكافي.. لأنه من كل ما رأيناه على مدى الأزمة/الحرب، والكارثة/الفتنة، وما رصدناه في السابق في هذه الجلسات، استنتجنا ونستنتج: أنه لا يوجد حوار بالمعنى الصحي الصحيح الذي تشترطه وتتطلبه وتقرره شروط الحوار السليم، وما تفرضه وتفترضه أهدافه، ومن ثم تتحدد في ضوء ذلك أساليبه ومستواه وفحواه وخطواته، ليصل إلى غايته المرجوة.. وإنما وُجِد تراشق بالكلمات، والتهم، والشتائم، من متاريس السياسة والديبلوماسية والإعلام، وما سمي “حوار المثقفين، والمحللين، والفلاسفة، و.. و.. إلخ”، في الوقت الذي يستمر فيه تراشق القذائف بين متاريس المتحاربين، تلك القذائف التي أكثر من شقي ويشقى بها المدنيون من أبناء الشعب الذي ذاقوا الأمرين بين الأطراف المتصارعة، وما زالوا يعانون، وينظرون إلى قارب الوطن بأمل، متنين له النجاة والوصول إلى شاطئ السلامة بالأمان.
لقد أضحى الشأن السوري كله، بما فيه من حنايا وزوايا وخفايا، وسياسات معلنة ومستترة، أصبح مكشوفًا، والنتائج المترتبة على استمرار الاقتتال المجنون معروفة هي الأخرى.. ومواقف الأطراف المعنية بالتوصل إلى حلول سلمية سليمة، وتلك التي تسعى لنقض كل معمار سلم، من نوع في المنطقة، وتتمسك بإطالة أمد الحرب ومعاناة الشعب.. أصبحت هي الأخرى ظاهرة للعيان، مكشوفة الغايات والحسابات والرهانات، ومعروفة هي الأخرى.. ولا بد من نهاية تفرضها المسؤولية الأخلاقية، والدينية، والتاريخية، والوطنية والإنسانية على جميع الأطراف، وبقوة شعبية سوريا عارمة، تضع حدًّا لكل من يرفض أن يضع حدًا للحرب والفوضى والدمار والمعاناة.. قبل أن ندخل جميعًا مراحل اللاعودة من السير في طريق الجنون المطبق.. تلك الطريق التي تؤسس لحروب طوائف ومذاهب وأعراق.. حروب سنة وشيعة، عرب وإيرانيين، عرب وترك، وعرب وكورد، وحروب مسلمين ومسلمين، تستقطب كلها أتباعًا وتوظف مرتزقة، من كل البلدان، ويتسلل إليها أعدواء لجميع الأطراف المتحاربة، وقوى وجهات لا يهمها إلا أن تستمر الحرب، وتكبر، وتتدحرج كرة نارها لتحرق الجميع بلا استثناء.. فنحترق جميعًا في الوقت الذي تُمِدّ فيه الولايات المتحدة الأميركية وحلفاؤها، والصهيونيةُ وأتباعها، المتقاتلين بالسلاح، وتأخذ المال، والطاقة، والثروة، وكل ما في رصيد العرب والمسلمين من طاقة وثروة.. وتتركهم يفنون ثروتهم البشرية بأيديهم.. لكي تعيد عهود الاستعمار، غير المكلف، من جديد، وتفرض هيمنتها الشاملة كما تريد، وتعيد رسم الجغرافية السياسية والسكانية، والخرائط الجيويو ـ سياسية لبلدان وبلدان، وفق مصالحها هي ومصالح حلفائها، وبالقوة المتربصة، التي تفرض ما تريد عندما تريد، على أغبياء ضعفاء، لا يملكون إلا أن يطأطؤوا الرؤوس، ويقولوا نعم: “تأمر سيدي”.
إن لكم الرأي والنظر والحكم والأمر، يا أهل القوة، والسلاح، والمال.. يا أهل السياسة، والحرب، والنهي، والأمر.. يا عناترة العالم الذين فقدوا معظم صلاتهم بالإنسان، وبما تشكله الحياة والحرية والحقيقة للإنسان..
لكن اتقوا الله في الأوطان، والشعوب، والأديان، والإيمان.. إذا كان هذا يعني لكم شيئًا.
والله وحده لي كل أمر.

إلى الأعلى