الأربعاء 26 يوليو 2017 م - ٢ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / ما مدى بقاء سلاح العقوبات الاقتصادية؟

ما مدى بقاء سلاح العقوبات الاقتصادية؟

أ.د. محمد الدعمي

مع إعلانات القيادات الإيرانية الرسمية الأخيرة باشتراط رفع العقوبات الاقتصادية عن الجمهورية الإسلامية فور توقيع الاتفاق مع الدول الغربية بقيادة الولايات المتحدة حول برنامج طهران النووي، لا يملك المرء إلا أن يشعر بأن الإيرانيين إنما يتكلمون من موقع قوة، وكأن العقوبات لم تعد ذات تأثير شديد كما كانت عليه من ذي قبل.
إذًا النص الإيراني مشحون بالتحدي، وعلى نحو غير متوقع من قبل مجموعة الدول الغربية، كما يبدو. ودلائل ذلك جاءت في تصريحات لوزير خارجية إيران انطوى معناها النهائي بأنه على الولايات المتحدة وحلفائها عدم إضاعة فرصة التوصل إلى اتفاق عبر المحادثات الجارية، وبعكسه تخسر هذه الدول “الفرصة الذهبية”: هذه اللهجة مشحونة بالتحدي على نحو لا يقبل الشك، خاصة وأنها تضع الدول الغربية بقيادة الولايات المتحدة في موقع الضعيف، بديلًا عن إيران التي تعاني من العقوبات الاقتصادية أيما معاناة: معاناة كادت أن تأتي على السلم الأهلي في إيران قبل بضع سنوات.
يشكل تواتر التصعيد في اللهجة الإيرانية مشكلة حقيقية بالنسبة للولايات المتحدة ودول أوروبا كذلك، ذلك أن هذه الدول التي وظفت سلاح العقوبات مرات عديدة على نحو مؤثر، خاصة مع العراق حتى انهيار نظامه السابق، راحت تفقد فاعليتها شيئًا فشيئا. كما أن توظيفه، سلاحًا متكررًا، قاد إلى أن تتدرع الدول المرشحة له لصده بطرق شتى، وأهمها الخرق بواسطة تصدير النفط. بل إن ما يخشاه الأميركان على نحو جدي هو أن يقضي المتربصون بهذا السلاح عليه على حين غرة وبضربة أستاذ واحدة.
وإذا كانت الولايات المتحدة الأميركية قد استخدمته على نحو مكثف لضرب العراق وسواه من دول العالم “الخارجة على طاعتها” لسنوات عدة، فإن احتمال أن تتفق الدول التي تعاني من آثاره المدمرة لتشكيل جبهة دولية تتعاون دولها على نحو وثيق لتحييد سلاح العقوبات الاقتصادية على نحو متواصل، حتى تعلن واشنطن بنفسها إحالته على التقاعد بسبب توقف فاعليته.
هذا بالضبط ما تخشاه واشنطن اللحظة، لأنها لا يمكن أن تتجاوز التفكير في احتمال اتفاق دول قوية وغنية على الوقوف صفًّا واحدًا لإفشال فاعلية سلاح العقوبات الاقتصادية. وهذه حال محتملة للغاية، بعد أن تجاوزت الولايات المتحدة حدود المعقول في ثقتها بسلاح العقوبات الاقتصادية حد محاولة لجم دولة كبرى وغنية كروسيا به، وحد إضعاف دولة غنية أخرى به، كإيران. بل إن غاية ما يخشاه التحالف الغربي يتجسد في اتفاق روسي ـ إيراني على خرق العقوبات الاقتصادية وتجاوزها، باعتبار آثارها المضادة للإنسانية وللرفاه الاجتماعي. أما إذا ما تبعت الصين، التي عانت من آثاره لعقود، كل من روسيا وإيران في تحالف مضاد للعقوبات الاقتصادية، فيمكن أن تحدث الطامة الكبرى، أي أن تنتزع هذه الدول سلاح العقوبات من أيدي واشنطن الآن وإلى الأبد. هذا هو الاحتمال الذي يؤرق الإدارة الأميركية الآن، خاصة بعد خروقات الأنظمة الإلكترونية الرقمية للإدارة الأميركية التي راحت تشعر بأن الصين وكوريا الشمالية قد ساعدتا على نجاح الخرق عبر استحصال معلومات في غاية السرية عن ملايين الموظفين الفيدراليين في أميركا، ومنهم رجال مخابرات وعسكريون ومسؤولون كبار.
المعنى النهائي لجميع هذه التحديات للتفوق الأميركي هو أن هذه الدول المضادة له تعمل جادة على إنتزاع الأسلحة التي تمتلكها الإدارة الأميركية، الواحد تلو الآخر، لتسحب البساط من تحت أقدام انفرادها بالعالم.

إلى الأعلى