الخميس 27 يوليو 2017 م - ٣ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / حين تساوي العدالة الدولية بين الضحية وجلاَّدها!

حين تساوي العدالة الدولية بين الضحية وجلاَّدها!

عبداللطيف مهنا كاتب فلسطيني

منذ أن شكَّل المجلس العالمي لحقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة لجنته لتقصِّي الحقائق حول جرائم الحرب، التي ارتكبها الجيش الصهيوني إبان حربه العدوانية الأخيرة على قطاع غزة المحاصر، والتي مر عليها الآن قرابة العام، بادر الصهاينة إلى شن حربهم الضروس على هذه اللجنة، ولاحقوا رئيسها الأول الكندي ريتشارد شافاس، بحيث لم يجد له بدًّا من الاستقالة، لتخلفه القاضية الأميركية ميري ماكيفين ديفيس، المعروفة بتعاطفها معهم. لكنما لا استقالة شافاس ولا حلول ديفس محله بدَّل من موقفهم من اللجنة، والقائم أصلًا على مبدأ، ليس فقط رفض مجرَّد تخيِّل إدانة جرائمهم، أو المس بعصمتهم، من قبلها، وإنما فكرة تشكيلها برمته، ثم لإدراكهم سلفًا أن أية لجنة تحقيق دولية، حتى ولو انحازت لهم، فليس من السهل عليها تجاهل كل هذا الحجم الهائل من الخراب والدمار وسفك الدماء، الذي ألحقوه عامدين بالإنسان والبنى الغزيِّة خلال تلكم الواحد والخمسين يومًا من حربهم الإبادية، التي طالت جهنمها المدنيين أولًا، أطفالًا ونساءً وشيوخًا، قبل سواهم، بل وكادت أن تقتصر عليهم.
لقد رفض الصهاينة منذ أن كانت هذه اللجنة التعاون معها، أو تزويدها بالمعلومات التي تتطلبها مهمتها منهم، أو السماح لها بالقدوم إلى كيانهم، أو الوصول إلى القطاع المحاصر، لجمع الشهادات المطلوبة لإنجاز تحقيقها المزمع، بعكس ما فعلته المقاومة الفلسطينية، التي أبدت كل المطلوب منها من تعاون أو تسهيل تستطيعه لإنجاز مهمة اللجنة، فكان أن استعاضت عن ما تم الحؤول بينها وبينه، باللجوء إلى إجراء مقابلاتها هاتفيًّا، أو عبر “السكايب”، أو بعض ما تيسر لها منها في كل من عمان وجنيف.
والآن، ومع اقتراب مرور عام على هذه المحرقة الوحشية التي اقترفها الصهاينة في قطاع غزة، أنهت اللجنة تحقيقاتها لتقدم من ثم تقريرها، والذي لم يك بوسعه ولا بمستطاعه التملُّص من وجوب اتهام الصهاينة صراحةً بارتكاب جرائم الحرب خلالها، إضافةً إلى خرقهم لكافة القوانين والأعراف الدولية المتعلقة، أو كل ما سبق وإن كانت شاشات التلفزة الكونية قد وثَّقته لحظةً بلحظة خلال أيامها الدموية ويشهد عليه ليس ضحاياها وحدهم، وإنما العالم بأسره… وإذ إن مجرَّد الإقدام على مثل هذا الاتهام الصريح سوف يعد حادثةً غير مسبوقة من قبل هيئة دولية في عالم يضع الصهاينة ما فوق المساءلة وفي منزلة من عصمة لا تطولها القوانين والأعراف الدولية، وديدنه أن تستَّر على مر عقود من الصراع العربي الصهيوني على جرائمهم وغطَّاها، فعلت اللجنة أيضًا ذات ما درجت عليه هكذا لجان لهكذا أمم فساوت، وكما المتوقَّع منها، بين الضحية وجلاَّدها حين أدانت الصهاينة والفلسطينيين معًا… ومثلًا:
اختصرت عدد الشهداء الفلسطينيين من ألفين وثلاثمئة إلى ألف وأربعمئة واثنين وستين، واعترفت بأن ثلثهم أطفالًا، لكنها وضعتهم في مقابل ستة لا أكثر من المستعمرين الصهاينة الذين اعتبرتهم مدنيين، ووضعت أكثر من ثمانية عشر ألف منزل فلسطيني دُمِّر خلال الحرب مقابل إصابة صواريخ المقاومة البدائية لبعض لا يذكر من بنى المستعمرات، أو الثكنات التهويدية المحيطة بقطاع غزة. وتمادت في تدليع الصهاينة، بل تبرير أفعالهم، من مثل حديث التقرير عن ما سببه الفلسطينيون من “خوف مستمر في المستوطنات في إسرائيل التي تعيش في خطر دائم”، والإشارة إلى أن صواريخ المدافعين عن غزة… غزة التي تعرَّضت في تلك الحرب إلى ستة آلاف غارة جوية تدميرية فقط… قد “كسرت”، ويا لأسف هذه اللجنة،”روتين الحياة” في تلك المستعمرات، كما لم تنسَ أن تسجِّل في تقريرها أن “مجرَّد وجود الأنفاق خلق صدمة لدى الإسرائيليين، الذين خافوا من التعرُّض لهجمات في كل لحظة على مستوطناتهم”!!!
وحيث لم يك بوسع هذه اللجنة عدم الإشارة، ولو تساؤلًا، إلى أن ارتكاب الصهاينة لجرائم الحرب كان ممنهجًا، أو “يتعلَّق بسياسة أوسع تمت المصادقة عليها في أعلى مستويات الحكومة” الصهيونية، كان لا بد لها من اتهام الفلسطينيين بالمقابل، فلم تجد سوى اعتبار إعدام العملاء إبان الحرب جريمة حرب، متجاوزةً في ذلك القوانين الوطنية، وغاضةً الطرف عن فداحة ما تلحقه عمالتهم بالغزيين من أذى لا سيما في ظروف الحرب الدموية التي تشن عليهم… ومع هذا، اعتبر نتنياهو أن مسألة اللجنة وتقريرها برمتيهما هما “مضيعة للوقت”، ويأتيان من قبل “جبهة معادية وغير موضوعية تجاه إسرائيل”، أما بالنسبة لوزيره الفاشي نفتالي بينيت، فتقرير اللجنة “تقطر من يده الدماء لأنه يجيز قتل اليهود”!!!
…فوق إدانة الضحية، خلا تقرير ديفس من التوصيات القانونية، بمعنى أنه حتى “تقرير جولدستون” الذي عفا عليه الزمن كان أفضل منه، لكنما هناك من الفلسطينيين من اعتبره على عواره، ربما لأنه تجرأ فاتهم الصهاينة صراحةً بارتكاب جرائم حرب، نصر من الله وفتح قريب، بانيًا على رماله قصورًا يتخيلها في رحاب عدالة محكمة الجنايات الدولية، هذه التي امتنعت عن ملاحقة الصهاينة بشأن دموية هجومهم على أسطول الحرية بدعوى أن تداعياته لم تك “خطرة بما يكفي”، ناهيك عن أن حامي حمى الصهاينة الأميركي هو لعدالتها بالمرصاد…أما سلطة “أوسلوستان”، التي ما انفكَّـت تعيش أجواء أوهام وساطة فابيوس الاستدراجية التصفوية والفاشلة، فما زالت منكبَّةً “تراجعه”… ونرجِّح أنها، إن حدث وفرغت من مراجعته، فلسوف تجد فيه فحسب ما يعزز أوهامها التسووية المزمنة، التي تأخذها باتجاه متاهة تغريبتها المفضَّلة “استراتيجية التدويل” باحثةً عن فقيدها المنقرض “حل الدولتين”!!!

إلى الأعلى