السبت 25 مارس 2017 م - ٢٦ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / انطباعات ومشاهد من قلب العاصمة التايلندية بانكوك 3/4

انطباعات ومشاهد من قلب العاصمة التايلندية بانكوك 3/4

سعود بن علي الحارثي

” .. في الشارع العربي (( نانا )) المفعم بالحركة والنشاط والحيوية مواصلا صخب ليله بنهاره, والذي يحتضن عددا من المستشفيات والفنادق والخدمات, يلتقي العرب مقيمين وزائرين, وسياحا من مختلف بقاع الأرض, هنا وفي هذا الشارع, يعيش ويعمل مئات العرب من اليمن ومصر والعراق وفلسطين …”
ــــــــــــــــــــــــ
ثالثا : الحياة العربية في تايلند:
تمكنت الجالية العربية في تايلند والتي توافدت وتعاقبت على مدى عقود من الزمن, وعبر اجيال من المهاجرين والباحثين عن العمل والاستقرار من تأسيس وجود عربي تشكلت عناصره من دماء مصرية … يمنية … شامية … عراقية … مغربية … حققت نجاحات ملحوظة في قطاع التجارة خاصة, وانتشرت المطاعم والمقاهي العربية اليمنية والشامية والمصرية, ودخلت أخيرا الأكلات الشعبية العمانية ضمن القائمة ولكن بأيد أجنبية بالطبع بعد أن فتح عمانيون أكثر من مطعم في كل من منطقة (نانا) في بانكوك وشارع العرب في منطقة المارينا في بتايا, حيث استثمرت الجاليات العربية امكاناتها وخبراتها واستفادت من افواج السياح العرب الذين يزورون تايلند بصفة دائمة للسياحة والعلاج, ووظفت مهاراتها في اعداد الاطباق العربية وتطوير وتنويع مذاقاتها لتنناسب مع مختلف الثقافات والجنسيات التي تأتي الى هذا البلد الجميل بمن فيهم المواطن التايلندي … وتخفي السحنات العربية القابعة خلف المكاتب المنتصبة في زوايا ومخارج عدد من المتاجر والمطاعم قصصا ومواقف لمراحل يمتزج فيها الألم بالأمل والشقاء بالسعادة والماضي بالحاضر وتعبر عن مسيرة عمل ملأى بالدروس والتجارب والقراءات, عن كفاح الانسان وقوته وعزيمته وصموده وتصميمه ورحلته الشاقة … عن عوامل وأسباب الترقي والتطور والصعود وصور الاخفاق والنجاح, مسيرة لرحلة حياة جديرة بأن ترصد وتوثق وتقدم للأجيال للاستفادة من مضامينها ودروسها العميقة, فالحياة تتنوع وتتباين مذاقاتها وأطعمتها, ففي الوقت الذي تبتسم فيه لإنسان ما نراها تكشر عن أنيابها وتعبس لآخرين, وما على الإنسان إلا أن يكافح وينافح وأن يواصل محاولاته وأن يوظف امكاناته وخياراته ويمتطي أمواج المغامرة ليغير واقعه ويجعل من الحياة هاشة باشة مطواعة فيأخذ منها مع يحقق طموحه وتطلعاته ويتناسب مع احتياجاته ومتطلباته.
فمن نادل يعمل في مقهى متواضع أو بائع متنقل في شوارع العاصمة بانكوك … الى عربة صغيرة تبيع الاطباق العربية الصغيرة … سندويشات … فلافل … طعمية … الى مطعم يديره ويملكه بنفسه … مواصلا تطوره ونجاحه ومحققا اهدافه بعرق جبينه وجهده اعتمادا على نفسه وقدراته, ومؤكدا على ان العربي قادر على التطور وتحقيق النجاح وعلى ركوب امواج المغامرة متى ما وجد الاستقرار والبيئة الحاضنة والمجتمع المتسامح المضياف … يعبر العرب في هذه البيئة التايلندية المتفردة في قيم التعايش والتوافق والتواد المستمدة ثقافتها الانسانية من الايمان المترسخ عبر قرون من الزمن بان الحرية واقتسام الرزق والمواطنة الصادقة وتبادل المصالح بين الثقافات والحضارات والاديان والمذاهب هو قوام الاستقرار وقاعدة الامن وهي الاسباب الحقيقة لتقدم الامم ونجاحها وتحقيق مصالحها وغاياتها في العيش الكريم وفي البناء والازدهار … وهو ما يراه الزائر لتايلند على ارض الواقع في كل مشهد وملمح من ملامح الحياة وصورها الكثيفة, يعبر العرب في هذه البيئة المنفتحة والمتسامحة والمتعايشة مع الآخر عن ثقافتهم وعن طموحاتهم وأهدافهم ويمارسون شعائرهم الدينية ويقومون بأعمالهم ويطورون من امكاناتهم بحرية وطمأنينة وثقة وشعور بالاستقرار, فالقوانين والمؤسسات والقيم التايلندية المشار إليها تحميهم وتحافظ على حقوقهم وتدعم وتشجع نجاحاتهم .
ففي الشارع العربي (( نانا )) المفعم بالحركة والنشاط والحيوية مواصلا صخب ليله بنهاره , والذي يحتضن عددا من المستشفيات والفنادق والخدمات , يلتقي العرب مقيمون وزائرون, وسياح من مختلف بقاع الأرض , هنا وفي هذا الشارع , يعيش ويعمل مئات العرب من اليمن ومصر والعراق وفلسطين … وجدوا في بانكوك فرصا عديدة ما كانوا ليجدوها في بلادهم فأخذوا الجنسية التايلندية وكونوا لهم وجودا قويا يتمثل في عشرات المحلات العربية من مطاعم تقدم الأكل العربي الذي يستهوي السياح ويجذب العرب المتواجدين بغرض السياحة والعلاج والتجارة ومقاهي لتقديم الشيشة والشوارما وعشرات الأطباق العربية التي تعانق نكهاتها ومذاقاتها الشهية سماء العاصمة لتمتزج مع غيوم وأمطار تايلند معلنة عن الوجود العربي, وإلى جانب المطاعم تنتشر المصارف وتجارة العطور العربية والمحال التجارية الأخرى التي تتعدد أغراضها, وأنشئت مساجد مؤقتة تعلي صوت الحق, وتبث الشاشات الفضائية الكبيرة بعض القنوات العربية برامجها الإخبارية والفنية المتنوعة, وتصدح سيدة الغناء العربي وفيروز وعبد الوهاب بالكلمات الخالدة التي تجذب العرب إليها, وتحيلهم إلى كيانات تتفجر حبا ورومانسية وتأخذهم إلى عالم خيالي قوامه حصيلة من الذكريات الجميلة ….
في الكثير من بلدان العالم وهنا في قلب العاصمة التايلندية وفي عدد من المدن والمواقع الاخرى يحمل العرب همومهم واحزانهم وآلامهم وقلقهم المتواصل والمتجدد على وطن تمزقه الصراعات والمؤامرات والمصالح والاستبداد السياسي وفساد الأنظمة والأحزاب والمؤسسات والأفراد, وأدوات القمع المتعددة, وتدمر مدنه وحضارته وبنيته التحتية وموروثاته التاريخية الاموال والأسلحة المتطورة الفتاكة التي حول استخدامها من الدفاع عن الوطن والأمة الى آلة تدمير لهذا الوطن واهله , ومجتمع يقتل بعضه على الهوية مذهبا او قبيلة او حزبا … خوف وقلق على الاهل والأحبة والأصدقاء الذين حوصروا بين الانقاض والخراب والاستهداف المتعمد والتعصب الاعمى , فأصبحت حياتهم مهددة بالموت في كل لحظة … الخوف من مستقبل مجهول تتقاذفه كل تلك التهديدات والمخاطر … يعيش العرب خارج اوطانهم بدون هوية, يشعرون بالضعف والهوان والمرارة, فلا جواز سفر يحميهم من الملاحقة والشكوك والاعتقال, ولا وطن أو نظام سياسي يدافع عنهم ويذود عن حقوقهم أمام العالم, لقد تحول الوطن العربي إلى مدن أشباح وإلى مليشيات تدمر وتقتل وتفتك وتترصد المواطن البسيط وهو في حقله أو دكانه أو موقع عمله, إلى سيارات مفخخة تتفجر في المصلين والمتسوقين والمرضى في المستشفيات والمساجد والحسينيات والكنائس, فأي عبث هذا الذي يمارسه العرب بحق أنفسهم وأطفالهم وأوطانهم ومستقبلهم وحضارتهم المنكوبة, عبث يلاحقهم وهم مبعثرون مشردون نازحون تبتلعهم أمواج البحر ويلتهمهم الموت طعما سهلا, فهم بين موت يلاحقهم وآخر يستقبلهم, بين عمر هرم في أتون النكبات وأمل يولد ويتجدد, ومن غلب أمله وقاه وحماه وأوصله إلى بر الأمان , كما هو حال اخواننا العرب في هذه البقاع … ومن المصادفات وفي غرفة فندق ( جراند سينتر بوينت) في العاصمة بانكوك وفي اللحظة التي كنت أعد فيها هذا المقال كانت الأخبار ترد تباعا عبر وسائل التواصل عن تفجيرات تستهدف مساجد في الطائف وصنعاء وكراتشي باسم الاسلام وبحجة الدفاع عن الاسلام, والقاتل والمقتول شهداء كذلك باسم الاسلام واستنادا إلى نصوص تنسب إلى الاسلام تطلقها ألسن تسعى إلى تأجيج الفتنة الطائفية والصراعات المذهبية خدمة لأعداء الأمة. وفي أحد المطاعم العربية وعندما كنت أتناول طعام الغداء كانت إحدى القنوات الإخبارية تبث صورا ومشاهد لعملية انقاذ ضخمة تقوم بها دول أوروبية لمساعدة الآف المهاجرين الذين تقطعت بهم السبل في البحار والمحيطات.
لقد وجد هؤﻻء العرب الذين حولوا وجهاتهم وطاقاتهم وخبراتهم التعليمية والعملية الى مختلف دول العالم … عواصمه ومدنه وأريافه وشواطئه, وامتهنوا مختلف الحرف والوظائف والاعمال … اقاموا الأحياء السكنية والمحلات التجارية وساهموا في بناء المنشآت المختلفة وكونوا لهم مكانة مرموقة وشاركوا في تنمية وتطوير الكثير من القطاعات واندمجوا مع شعوب العالم … وواجهوا مخاطر وتحديات وأهوال كثيرة وتجاوزوا عقبات ومشاكل عديدة وركبوا الامواج واستدانوا الاموال وشهدوا الموت المحدق بهم مرات ومرات وبعضهم فقد الاحبة والأهل والأصدقاء والرفقاء, كل ذلك هربا من اهوال الحروب والصراعات والفقر والظلم والتخلف وامراض التعصب والجهل والفساد والبطالة التي ابتليت بها اوطانهم العربية وبحثا عن الامن والاستقرار ولقمة العيش وتحقيقا للطموح والكرامة الانسانية الممتهنة في عالمنا العربي … من هؤﻻء من وصل الى شاطئ الامان وحقق بعضا من التطلعات والاستقرار وحقق شيئا من اهدافه المشروعة ومنهم من يواجه الاهوال والمرارات والاحباطات ومن غرق في ظلمات الياس ومنهم من قضى نحبه فنسأل الله لهم الرحمة والمغفرة وان يرزقهم اجر الشهادة … لقد وجد هؤلاء العرب هنا وفي بلدان العالم الأخرى مصادر رزق لهم ولعائلاتهم وشعروا بشيء من الاستقرار وتمكنوا من تحقيق النجاح , وساهموا في مساعدة اخوانهم المنكوبين والمحتاجين والباحثين عن العمل وعن المال والرأي الحصيف والخبرة التي تنير لهم طريقهم وتوجههم إلى ما يحقق احتياجاتهم ويوصلهم إلى مبتغاهم , قيم إنسانية قوامها التآخي والتآلف والحب والتكافل تولدت فحققت شيئا من الطمأنينة والاستقرار والنظرة الإيجابية المتفائلة إلى هذا العالم … فئة من العرب استقرت على الارض التايلندية نراهم ونتعامل معهم ونتحدث اليهم ونحاورهم ونتناول وجباتنا الغذائية من مطاعمهم المتنوعة وكاننا في وطننا العربي لم نخرج منه, فقد كنا في مكان اعجمي لسانه وثقافته وقوامه عربي, ولم يكن حالنا بحمد الله كحال المتنبي, أي في مكان غريب الوجه واليد واللسان .
ان العرب المقيمين في تايلند او في اي بلد اخر من هذا العالم الفسيح , تقع عليهم مسئوليات كبيرة يأتي في مقدمتها تأسيس صورة ايجابية عن العرب في سلوكهم مع الآخر وفي معاملاتهم اليومية في عموميتها … في أخلاقهم وإيمانهم بالحرية والعدالة والمساواة وقيم الديمقراطية … عليهم ان يندمجوا مع شعوب الدول التي احتضنتهم ووفرت لهم العمل والمأوى وسبل العيش والاستقرار وان يتعايشوا معهم وفقا لتلك القيم الانسانية السمحة التي لم تخرج يوما عن رسالة الاسلام ومبادئها ومفاهيمها … عليهم ان يعبروا عن الثقافة الحقيقية للاسلام والاخلاق النبيلة للعرب مرؤوة وشهامة ونبلا وصدقا كما كانت في منابعها الاولى صافية نقية لا شائبة تعكر صفوها , وذلك في اعمالهم وتجارتهم وتضامنهم وجوارهم وحوارهم وكفاحهم ونشاطهم اليومي وتطلعاتهم وطموحاتهم وطلبهم للعلم والمعرفة … عليهم ان ينبذوا جميع أشكال العنف والتطرف والانعزال والدعوات الجاهلية والتصرفات الحمقاء التي يأتيها بعضهم في العديد من البلدان والأماكن وان يتبرأوا من الاشخاص الذين يسعون الى تعكير صفو ونجاح العرب خارج اوطانهم … رسالة ذات محاور وغايات اصلاحية اذا تمسك بها العرب الضاربون في انحاء الارض بحثا عن العيش والطموح والعلم والاستقرار ووضعوها نصب اعينهم كانت عونا لهم وعامل نجاح لتحقيق أهدافهم وتعريفا للعالم برسالتهم وثقافتهم الحقيقية في انسانيتها ومبادئها الراقية ومثلها العظيمة كما أشرنا إلى ذلك … فهل سينجح عرب الخارج فيما فشل فيه عرب الداخل ؟ وهل سيتمكنون من بناء سمعة طيبة تغير الصورة السالبة التي تلاحقهم أينما ساروا ورحلوا وأقاموا ؟ هل هم على درجة من الوعي والتنسيق والتعاون تمكنهم من صياغة وتبني مشروع إنساني حضاري بهذا المفهوم ؟ هل سنجد يوما بأن أسباب النهوض والتقدم ونجاح المشاريع الوحدوية العربية يقودها هؤلاء المغتربون المهاجرون المقيمون في الخارج من العرب , وهم من سيعول عليهم في تحقيق طموحات المواطن العربي وتطلعاته ؟ … هذا ما نتمناه وننشده , والأيام القادمة كفيلة بالإجابة على الأسئلة .

إلى الأعلى