الأربعاء 29 مارس 2017 م - ٣٠ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / النظرة السلطانية للعقيدة الأمنية الوطنية .. المواطن كحارس لأمنه الوطني

النظرة السلطانية للعقيدة الأمنية الوطنية .. المواطن كحارس لأمنه الوطني

محمد بن سعيد الفطيسي

” .. الأمن والاستقرار الحقيقي لأي وطن لا يمكن ان يتحقق الا من خلال إرادة وإيمان وحرص أبناء الوطن أنفسهم على ذلك, وأي اختلال او ضعف في تلك العقيدة الوطنية والسياسة الوطنية حيال تلك المهمة, سيؤدي بلا شك الى حدوث ثغرات خطيرة في ذلك الجدار المناعي الذي يعول عليه كثيرا للتصدي لأي محاولات خارجية للتسلل او اختراق الداخل,”

ـــــــــــــــــــــــــ
(( ….. على كل مواطن ان يكون حارسا أمينا على مكتسبات الوطن ومنجزاته التي لم تتحقق – كما نعلم جميعا – الا بدماء الشهداء , وجهد العاملين الأوفياء)).
جلالة السلطان قابوس – حفظه الله ورعاه – 18/11/1994م
الحديث عن نعمة الأمن والأمان والاستقرار في هذا العالم الفوضوي الذي يعيش بين سندان التعصب والتطرف ومطرقة الإرهاب حديث ذو شجون وأبعاد كثيرة ومختلفة, فالأمن كما هو معروف هو نقيض الخوف ، وهو غياب الشعور بالتهديد والخطر، وهو كذلك الإحساس بالاستقرار النفسي. وتحقيق الأمن لأي مجتمع أو دولة هو القيمة العليا التي تبحث عنها المجتمعات والدول باختلاف درجات تطورها.
والأمن وسيلة وغاية, وسيلة البقاء والتماسك الاجتماعي والتطور وحماية المصالح، وهو غاية لأنه الاستقرار السياسي والاجتماعي والاقتصادي والتنموي والنفسي لأي مجتمع, و( تدل أحداث تاريخ البشرية بأن العمل لا يثمر والحضارة لا تزدهر ولا ترتقي والرخاء لا يعم ولا يسود والتقدم لا يطور إلا في ظلال الاستقرار، ولا استقرار بغير أمن وأمان. ذلك أن الأمن هو الإحساس بالطمأنينة والشعور بالسلم والأمان، وهو مقياس تقدم الأمم والشعوب، وبدون الأمن لا تستقيم الحياة ولا تقر العيون ولا تهدأ القلوب ).
ويقصد بالأمن الداخلي في مجمله كما يعرفه العقيد الدكتور هاشم الزهراني بأنه : تحقيق الاستقرار والاطمئنان للدولة في شأنها الداخلي على نحو يحقق السلامة والصيانة والحماية لكل المصلحة العامة والخاصة فيها، وبذلك يمتد مفهوم الأمن الداخلي ليشمل كل عناصر ومكونات الأمن الفردي والأمن الجماعي، فهو أمن الدولة بكل مؤسساتها وأنظمتها ومصالحها التي يقوم عليها وجودها أو تحقق بها قدرتها على ممارسة وظائفها واختصاصاتها النظامية والإدارية والسيادية.
ومن هذا المفهوم يتضح لنا بان المحافظة على الأمن والاستقرار الوطني هو ( مهمة كل إنسان، وإن المسئولية عنه مسئولية جماعية، فرداً كان أم جماعة، هيئة أم سلطة، وينبغي لنا جميعا أن نكون على استعداد لاستخدامه ومناشدته بكل الوسائل والسبل حتى نتمكن من إبلاغ الرأي العام على أهميته وإجراءات الوقاية لمنع المشكلات من أن تتفاقم فتتحول إلى صراعات، وبعبارة أخرى يجب علينا أن نوحد الأمن والسلم في القلوب وفي الثقافات، فخلق ثقافة الأمن هو مهمة الجميع ( الدولة، السلطة، الهيئات الاجتماعية، المعلم، ا لمربي، الأجهزة الأمنية .. وغيرهم) وبالطبع لا يمكن إنكار أهمية دور رجال السلطة والأجهزة الأمنية المختصة ، غير أن الفرص المتاحة للعمل الفردي والجماعي لصالح الأمن أكبر بالتأكيد، مما قد يتبادر إلى الذهن، فالأمن سلوك وأخلاقيات وقيم وثقافة، وعلينا الحافظ عنه في كل جوانب الحياة اليومية في المنزل والمدرسة والجامعة ومكان العمل وغيرها.
وهكذا يمكننا القول أن المتغيرات المعاصرة كما يؤكد ذلك الدكتور محسن عبد الحميد : قد استدعت النظر إلى المسألة الأمنية باعتبارها تعني كل أفراد المجتمع، ومن ثم أصبح من اللازم اشتراك كل هيئات المجتمع الرسمية والأهلية في دعم مسيرة الأجهزة الأمنية، ولبلوغ تلك الغايات والأهداف الأمنية، لابد من غرس هذه القيم في عقول النشء والشباب من خلال المؤسسات الاجتماعية والتربوية والدينية والإعلامية، بدءاً من ا لأسرة والمدرسة والمسجد ووسائل الإعلام، والمجتمع المحلي وغيرها من المؤسسات والهيئات ذات الصلة بالتربية الوطنية، من أجل تكوين المواطن الصالح وتحصين أفراد المجتمع لضمان التزامهم بنظم وقيم وضوابط المجتمع الدينية والأخلاقية والمجتمعية والقانونية، بل وتحفيزهم للمشاركة في تحقيق الأمن الشامل بمشاركة كل الناس ( أفراد وجماعات)، تبعا للتوجهات المجتمعية والإقليمية والدولية التي بدأت تترسخ يوما بعد يوم والتي تؤكد على ضرورة الإسهام الجماهيري في المجال الأمني بوجه عام وعلى قيمة وأهمية الفرد في هذه المسالة خصوصا .
وهو ما أكد عليه المقام السامي في نظرته للعقيدة الأمنية التي يجب أن تتحرك بناء عليها كل الأفكار والتوجهات والمرئيات الأمنية الوطنية, وعلى رأسها أن الأمن لا تختص به الأجهزة الأمنية وحدها, بل هو مهمة وطنية فردية وجماعية ومن ثم مؤسساتية, فهي تبدأ من المواطن وتنتهي إليه, فالمواطن هو الحارس لتراب وطنه واستقرار وأمن أرضه, والأمين على مكتسبات ومنجزات بلده, وهو جهاز الأمن الداخلي الحقيقي, وجدار المناعة الأول والاهم, وكما هو حال الجهاز المناعي لدى الإنسان وخطوطه الدفاعية العديدة والذي يعتبر الجلد من بينها خط الدفاع الأول, إذ يشكل الجلد حاجزا فيزيائيا لا يسمح بنفاذ مسببات الأمراض الى الجسم, فكذلك المواطن بالنسبة الى وطنه أشبه بذلك الحاجز الفيزيائي.
فالأمن والاستقرار الحقيقي لأي وطن لا يمكن ان يتحقق الا من خلال إرادة وإيمان وحرص أبناء الوطن أنفسهم على ذلك, وأي اختلال او ضعف في تلك العقيدة الوطنية والسياسة الوطنية حيال تلك المهمة, سيؤدي بلا شك الى حدوث ثغرات خطيرة في ذلك الجدار المناعي الذي يعول عليه كثيرا للتصدي لأي محاولات خارجية للتسلل او اختراق الداخل, فان ضعف او ضعفت مناعته المكتسبة وحصانته الوطنية فانه سيضعف بكل تأكيد أمام كل أشكال الاختراقات الخارجية , وبالتالي سيصبح الوطن مكشوفا عاريا ضعيفا أمام كل عدو حاقد او متربص كائد حاسد فاسد.
وقد حرص صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم – حفظه الله ورعاه – في كل مناسبة على تأكيد تلك القيم , لأنه يعلم علم القائد المستنير بان حماية الدول من الاختراقات الخارجية لا يتحقق سوى من خلال قوة الداخل الوطني وترابط نسيجه الاجتماعي وتعاون المواطنين والحكومة معا على تحقيق ذلك , كما ان التصدي للإرهاب والتعصب والتطرف لا يتحقق بوضع عوائق له على حدود دولنا , بقدر ما يكمن في إضعاف منابعه في الداخل , وزيادة قوة المناعة الوطنية الداخلية .
فحماية الحدود الوطنية من اختراقات الأفكار والتنظيمات الإرهابية والمتطرفة يبدا بتحصين الداخل الوطني أولا بوسائل العدل والإحسان وتوطيد ثقة المواطن بحكومته , وان كان من اتفاقية وطنية أمنية يمكن ان تحمي الدول والشعوب في المرحلة الراهنة , فهي تلك التي تبرمها الحكومات مع شعوبها , بالاهتمام بهم وبث روح الوحدة الوطنية بينهم , فالوحدة الوطنية وتلاحم الداخل بعيدا عن كل أشكال الفرقة والانقسامات هي الوسيلة الوطنية الوحيدة لعبور هذا الامتداد الواسع من الفتن والفوضى والصراعات.
وما تشهده الساحة الإقليمية اليوم من تفشي للإرهاب والتطرف والعنف بشكل ملفت للنظر ومقلق للناظر , سوى دليل واضح على ان العمل الأمني الحقيقي والمتكامل الذي يمكن ان يحقق الأمن والأمان والاستقرار للأوطان , لا يمكن أبدا ان ينبع من طرف واحد دون مشاركة الطرف الأخر في تحقيق ذلك وهو المواطن نفسه , فهي معادلة لا يمكن ان يكتب لها النجاح على ارض الواقع اليوم الا هكذا , واقصد , ان تحقيق الأمن والاستقرار لا يتحقق من خلال مؤسسات الأمن المختصة وحدها , بل لابد من تجنيد كل أفراد الوطن ليكونوا حراس على امن وسلامة أوطانهم , وأي خروج او تطرف في فهم هذه المعادلة او العقيدة الأمنية سيكتب له الفشل وسيؤدي مع الوقت الى ضعف الداخل الوطني مما سيسهل الاختراقات الخارجية وتكاثر المؤامرات وسيؤدي الى زعزعة حبل الأمن والاستقرار الوطني .
وكما أكد جلالته – حفظه الله – على أهمية الأمن والأمان في الحياة الإنسانية بوجه عام والوطنية خصوصا بقوله ( ان الأمن والاستقرار نعمة جلي من نعم الله تبارك وتعالى على الدول والشعوب , ففي ظلهما يمكن للأمة ان تتفرغ للبناء والتطوير في مختلف مجالات الحياة …. أما اذا اضطرب حبل الأمن , واهتزت أركان الاستقرار , فان النتيجة سوف تكون الفوضى والخراب والدمار للأمة وللفرد على حد سواء , وهذا أمر مشاهد وواقع ملموس لا يتطلب كثيرا من الشرح والتوضيح . جلالة السلطان قابوس – حفظه الله ورعاه – 18/11/1994م ) فقد حرص كذلك على التنبيه الى بعض أهم أسباب تلك الإمراض المعاصرة التي تسببت اضطراب حبل الأمن والأمان والاستقرار فوجه قائلا في رسالة وطنية الى كل مواطن على تراب هذه الأرض الغالية بان لا يسمح ( للأفكار الدخيلة التي تستتر تحت شعارات براقة عديدة ان تهدد امن بلده واستقراره , وان يَحذر ويُحذر من هذه الأفكار التي تهدف الى زعزعة كيان الأمة , وان يتمسك بلب مبادئ دينه الحنيف وشريعته السمحة التي تحثه على الالتزام بروح التسامح والألفة والمحبة ).
ختاما ندعو الله العلي القدير ان ( يكلأ عمان الحبيبة بعين رعايته وعنايته , وان يدفع عنها كل سوء ومكروه وان يرد كيد أعدائها في نحورهم فينقلبوا خاسرين ) وان يجنبها وأهلها الفتن والقلاقل ما ظهر منها وما بطن , وان ينعم على شعبها وقيادتها بالأمن والأمان والاستقرار والسلام .
* ملاحظة : بعض ما ورد في هذا المقال تم اقتباسه عن كتابي الدولة المطمئنة – ثنائية صناعة الأمن الوطني في زمن الفوضى الخلاقة ص 45 – 57

إلى الأعلى