الأربعاء 29 مارس 2017 م - ٣٠ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / على الولايات المتحدة الاعتراف بدولة فلسطين

على الولايات المتحدة الاعتراف بدولة فلسطين

”هذا ليس لمعاقبة اسرائيل؛ بل لتحقيق الأمن القومي للولايات المتحدة. فالاعتراف بفلسطين، من خلال مساعدة الحل القائم على الدولتين، يعالج مصدر رئيسي للاستياء من الولايات المتحدة، مما يجعل الامر أيسر بالنسبة لصناعي السياسي الاميركيين في تحقيق الاولويات الأخرى في الشرق الأوسط مثل منع وصول إيران للسلاح النووي وهزيمة تنظيم داعش وتقوية الشراكات الأمنية الإقليمية.”
ـــــــــــــ
عملية السلام الاسرائيلية ـ الفلسطينية، العملية المفترض ان تنتهي بحل الدولتين هي الآن في الانعاش. وقد ارتكب كل طرف في النزاع حصته من الاخطاء، وان كان بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الاسرائيلي اجهض العملية تماما عندما أعلن خلال حملة اعادة انتخابه مؤخرا ان فلسطين لن تصبح ابدا دولة في عهده. وقد اكد ذلك المعنى بعد اعادة انتخابه. وهذا الموقف يتعارض بشكل مباشر مع أهداف الامن القومي للولايات المتحدة.
لقد مثل حل الدولتين هدفا اميركيا لقرابة عقدين من الزمن. ففي خطاب له في عام 2002 بات الرئيس جورج بوش الابن اول رئيس يدعو صراحة الى اقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة من الناحية الاقتصادية ومنزوعة السلاح، وقال في 2008″ اقامة دولة فلسطينية تأخر كثيرا. والشعب الفلسطيني يستحق ذلك. وسوف يعزز ذلك من استقرار المنطقة وسوف يسهم في تحقيق أمن شعب اسرائيل.” واليوم وبشكل فعلي فإن كل الساسة الاميركيين من أي جانب يؤيدون علانية هذه النتيجة. ولكن مع وقوف نتنياهو عقبة في طريق ذلك، كيف يمكن للولايات المتحدة تحقيق هذا الهدف؟
عن طريق الاعتراف بدولة فلسطين.
هذا ليس لمعاقبة اسرائيل؛ بل لتحقيق الامن القومي للولايات المتحدة. فالاعتراف بفلسطين، من خلال مساعدة الحل القائم على الدولتين، يعالج مصدرا رئيسيا للاستياء من الولايات المتحدة، مما يجعل الامر أيسر بالنسبة لصانعي السياسة الاميركيين في تحقيق الاولويات الاخرى في الشرق الاوسط مثل منع وصول ايران للسلاح النووي وهزيمة تنظيم داعش وتقوية الشراكات الامنية الاقليمية. وسوف يسهل ذلك التعاملات مع الحكومات في تركيا ومصر والاردن والمملكة العربية السعودية التي تتفق في الغالب مع الاستراتيجية الاقليمية لاسرائيل لكنها تعلن تعاملها مع الفلسطينيين. وسوف يمثل ذلك اشارة للاسرائيليين ـ وجيرانهم ـ ان الولايات المتحدة سوف تعمل حسب مصالحها الخاصة، حتى عندما تتعارض هذه المصالح مع رؤى أوثق حلفائها. ويمكن لذلك ان يعزز الامن داخل اسرائيل (مصلحة قومية اميركية طويلة الامد) كما يدرك ذلك الكثيرون في المؤسسة الامنية الاسرائيلية.
كما يمكن للاعتراف بفلسطين ان يعالج مشكلة سياسة خارجية مستمرة تتمثل في الفجوة بين السياسة الرسمية الاميركية في دعم قيام دولة فلسطينية وبين دعمها المستمر لحكومة اسرائيلية تعرقل بشكل متعمد هذا الهدف.
وقد عمل نتنياهو، في الوقت الذي يتشدق فيه بحل الدولتين، بلا هوادة على تقويض ذلك خلال فتراته الثلاث في رئاسة الوزارة ـ وذلك ليس فقط عن طريق توسيع المستوطنات والقمع العنيف للاحتجاجات غير المسلحة وتضخيم الانقسام بين الضفة الغربية وقطاع غزة. بل ايضا لأنه لم يقدم أي أمل للفلسطينيين. (فلا غرو ان يشرع الرئيس الفلسطيني محمود عباس في ان يطلب من البلدان الاخرى والامم المتحدة الاعتراف بفلسطين بعد انهيار الجولة السابقة من المحادثات في 2010.) والان وفي الوقت الذي اعترف فيه نتنياهو علانية بما كان الكثيرون يعتقدونه بالفعل ـ بأنه لن يلعب على الاطلاق دور القابلة لفلسطين ـ بات واضحا بأنه اذا كانت واشنطن تريد تحقيق هذا الهدف، فإنه يتعين عليها البحث عن طريق آخر.
والطريق الوحيد لإنهاء هذا الصراع، والذي احتج به الرؤساء من الجانبين لعقود، هو عن طريق مفاوضات مباشرة بين الاسرائيليين والفلسطينيين. وهذا هو السبب في معارضة المسئولين الاميركيين للإجراءات الاحادية ـ مثل قرارات مجلس الامن الدولي المؤيدة لفلسطين التي تدين المستوطنات الاسرائيلية او محاولات الانضمام للمنظمات الدولية. لكن مسار المحادثات المباشرة قد اغلق، على الاقل طالما بقي نتنياهو في السلطة: فالفلسطينيون لن يذهبوا للجلوس مع رئيس وزراء اسرائيلي تقوم حملته الانتخابية على رفض طلبهم الاساسي. وكما قال لنا مسئول اميركي في الخريف الماضي” لا يوجد هناك اي فلسطيني يعتقد ان هناك اي امل في مفاوضات سياسية مع نتانياهو.” وفي مؤتمر صحفي مؤخرا قال الرئيس باراك اوباما مثل ذلك” الذي لا نستطيع عمله هو التظاهر بأن هناك احتمالية لشيء غير موجود من الاساس… فمن اجل مصداقيتنا، اعتقد بأنه علينا ان نكون أمناء حيال ذلك.”
بالتسليم بهذه الحقيقة، يكون من العبث بالنسبة للولايات المتحدة ان تسعى إلى اطلاق جولة اخرى من المحادثات لن تحقق أي شيء. ومع ذلك فسوف يكون على الاسرائيليين والفلسطينيين في النهاية ان يعودوا إلى المحادثات المباشرة من اجل التفاوض على قضايا مثل الحدود الوطنية وتقسيم القدس وحق عودة اللاجئين الفلسطينيين والاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية ومستقبل المستوطنات الاسرائيلية والترتيبات الامنية المشتركة. ويمكن للاعتراف بفلسطين الان ان يضع الاساس او يمهد الطريق امام تلك المفاوضات المستقبلية. ويمكن ان يعد ذلك بمثابة درسا عمليا للاسرائيليين بشأن ثمن العناد المستمر ويضمن ذلك ان تلعب الولايات المتحدة دورا اكثر ايجابية كوسيط في المحادثات من خلال التقليل من التباين الهائل في القوة الذي تعاني منه عملية السلام.
في بعض النواحي، يمكن للاعتراف بفلسطين ان يبدو فظيعا وكأنه أشبه بختم تصديق اميركي لعباس وأعماله. وهذه اشكالية لأنه هو ايضا يبدو احيانا شريك متعنت في عملية السلام. فوفقا لمسئولين اميركيين فقد اغلق فمه عندما قدم له اوباما إطارا لمفاوضات مستقبلية في المكتب البيضاوي في مارس 2014. وهو متردد في الاتفاق الذي يمكن بمقتضاه ان تتولى قوات امن السلطة الفلسطينية السيطرة على معابر غزة الذي يعد الشرط الاساسي للاغاثة المطلوبة بشدة واعادة اعمار القطاع. وفي السنة الحادية عشرة من رئاسته التي مدتها اربع سنوات، لم يتخذ اية خطوات جادة لإعداد الفلسطينيين لانتخابات عامة ـ على الرغم من ان هذا كان هدفا واضحا لاتفاق فصيله حركة فتح في العام الماضي للمصالحة مع حركة حماس التي تحكم قطاع غزة.
والاخير هذا مهم بشكل خاص لأن عباس رئيس ضعيف وفي مأزق. وسوف يتطلب اي اتفاق دائم مع اسرائيل زعيما فلسطينيا ذات مصداقية وشرعية. فالاعتراف بفلسطين يمكن ان يمثل اشارة لناخبيه بان الدبلوماسية (التي يفضلها عباس) تعمل بوضوح بشكل افضل من العنف (الذي تفضله حماس) مما يمثل حجة لحملة قوية لصالح الساسة الفلسطينيين المعتدلين.
وحتى ذلك الوقت وفي مقابل هذا الانتصار الدبلوماسي، يكون على الولايات المتحدة ان تطلب من القيادة الفلسطينية التعاطي مع عدد من القضايا ـ نقل السلطة الامنية في قطاع غزة وضع حد لقمع المجتمع المدني في الضفة الغربية والاعداد للانتخابات ـ في الوقت الذي توضح فيه ايضا ان الضغط الدولي على اسرائيل لا يمكن ان يحل محل التفاوض الجاد والتسويات المؤلمة التي تتطلبها مفاوضات التوصل الى تسوية نهائية.
ولا يمكن ان يؤثر أي من ذلك على التزام اميركا بامن اسرائيل. فعلى واشنطن ان تستمر في ضمان التفوق العسكري لاسرائيل وتعميق التنسيق الاميركي مع المؤسسة الامنية في اسرائيل. في كل يوم تذكر حكومة حماس في غزة بان السلام بمثابة مغامرة محفوفة بالمخاطر بالنسبة لاسرائيل. ويتعين ان يدركوا ان الولايات المتحدة في ظهرهم. كما يجب على الولايات المتحدة ان تضغط ايضا على الدول العربية من اجل مباحثات اكثر انفتاحا مع اسرائيل والعودة مجددا الى التعهد بالتطبيع الشامل المنصوص عليه في مبادرة السلام العربية عام 2002. فمن شأن ذلك ان يحمل اسرائيل على القبول بحل الدولتين.
في الختام، فإن الاعتراف بفلسطين يمكن ان يكون مفيدا للأمن القومي الاميركي وينسجم مع القيم الاساسية للسياسة الخارجية الاميركية المتمثلة في دعم تقرير المصير والاستقلال. وفي الحقيقة فقد كانت تلك القيم على وجه التحديد هي التي كان وراء قرار الولايات المتحدة بالاعتراف باسرائيل كدولة مستقلة عام 1948. وقد شهدت السنوات القليلة الماضية ملايين في المدن العربية يتظاهرون واحيانا يضحون بارواحهم من اجل حقوقهم وحريتهم. فعلينا ان نلحق بالبلدان التي وصل عددها 130 دولة التي اعترفت بالفعل بفلسطين، الامر الذي يعطى اشارة إلى اننا نشاطر وندعم تلك الاهداف لكل واحد وفي كل مكان.

ماتثيو دوس ومايكل كوهين
دوس رئيس مؤسسة سلام الشرق الأوسط، وكوهين باحث في مؤسسة القرن
خدمة واشنطن بوست ـ بلومبيرج نيوز خاص”الوطن”

إلى الأعلى