الأربعاء 18 أكتوبر 2017 م - ٢٧ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / مَن يساعد على الإفلات من العقاب؟!

مَن يساعد على الإفلات من العقاب؟!

كاظم الموسوي

” في هذا الزمن العربي المأزوم والملتبس، الذي تحولت فيه القضية الفلسطينية من القضية الرئيسية للنضال العربي، ولمؤسسات العرب الرسمية الى قضية بعيدة عن الاهتمام العربي الرسمي والمؤسسات التي تحمل اسما عربيا، في هذا الزمن تقدمت السلطة الفلسطينية رسميا إلى المحكمة الجنائية الدولية بأول بلاغ ضد الكيان الإسرائيلي……”
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
لم تعد الأخبار المتواترة عن لقاءات حميمة بين ممثلين رسميين عرب ونظرائهم من العدو الصهيوني مثيرة للدهشة، (وتحت أي مسمى او ذريعة او سبب، او اية واجهة، باحثين في مراكز ابحاث او مسؤولين سابقين او اية تسميات!)، بقدر ما هي تأكيد على ما سبقها من معلوم ومجهول. وإذا كانت مخفية في السابق او سرية مكتوما عليها وبدون تغطيات إعلامية او فضائح مثبتة بالصوت والصورة فأنها بعد التطورات التقنية ووسائل الاتصال الاجتماعية والفضائيات لم تعد كذلك. أصبحت ومهما حاولت الأطراف العربية التخفي وراء أصابعها، كما يقال، مفضوحة ومنشورة من أطراف صديقة لها او تدعي هي كذلك في أبسط الحالات.
كنت قد تساءلت سابقا: ماذا سيكتب التاريخ عن هذه المرحلة؟ وهذه الاثباتات المشهودة والدلائل القاطعة؟. واليوم اعيد التساؤلات وأضيف لها: هل ما حصل تم دون اسئلة عن ردود الفعل او التداعيات لما تم القيام به والإعلان عنه ؟ ولماذا انتهت الخشية منها او وخز الضمير فيها، وهي علاقات مشبوهة ومردودة؟ لا يمكن قبولها او التحجج بها في أي ظرف كان.
امام كل هذا التخاذل والخنوع لابد من صحوة وتساؤلات مشروعة: الى اين تنتهي هذه الصلات والاتصالات؟ وماذا تحقق منها او سيتحقق لاحقا؟. وماذا يعني استبدال العدو بآخر وهمي وتقاطع المصالح مع عدو واضح، لا يمكن الانكار او التلاعب بالألفاظ بشأنه؟.
في هذا الزمن العربي المأزوم والملتبس، الذي تحولت فيه القضية الفلسطينية من القضية الرئيسية للنضال العربي، ولمؤسسات العرب الرسمية الى قضية بعيدة عن الاهتمام العربي الرسمي والمؤسسات التي تحمل اسما عربيا، في هذا الزمن تقدمت السلطة الفلسطينية رسميا الى المحكمة الجنائية الدولية باول بلاغ ضد الكيان الاسرائيلي، بعد ان انضمت اليها في الاول من ابريل بصفة عضو كامل الحقوق.. وذكرت الدوائر الفلسطينية أن وزير الخارجية رياض المالكي قال في كلمته: “يشرفني أن أقدم اليوم، إلى مكتبكم، بلاغا من دولة فلسطين نأمل من خلاله أن يساهم في تمكين ودعم جهودكم لتحديد أن جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وجرائم تدخل ضمن اختصاص المحكمة قد ارتكبت في الارض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية”. وأشار المالكي إلى أن “هذا البلاغ هو تعهدنا بالتعاون مع مكتب المدعية العامة، والمحكمة بشكل عام، بما في ذلك عن طريق تزويد المحكمة الجنائية الدولية بالمعلومات ذات الصلة، وهو خطوة هامة نحو مكافحة الإفلات من العقاب، وإعلاء العدالة، لتعزيز مبادئ وأهداف المحكمة ونظام روما الأساسي”. وشدد وزير الخارجية على أن المعلومات المقدمة من دولة فلسطين تشير إلى أن قضية بدء التحقيق الجنائي الفوري، تعتبر قضية ملحة. وشرح الوزير محتوى البلاغ وقضاياه الأساسية، وقدم وصفا للممارسات والسياسات الإسرائيلية غير الشرعية.
أكد المالكي أن “جرائم دولة الاحتلال، وقادتها العسكريين والسياسيين، هي سياسة مسبقة ومتعمدة وممنهجة وواسعة النطاق، وتتوفر فيها عناصر جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، وعلى المجتمع الدولي إيجاد الآليات المناسبة والحازمة لمساءلة الاحتلال على هذه الجرائم لان غياب المساءلة يعني التشجيع على ارتكاب المزيد من الجرائم”.
أوضح عضو اللجنة الوطنية العليا لمتابعة ملف محكمة الجنايات الدولية مصطفى البرغوثي إن ما قدمته فلسطين “هو بداية لرفع الحصانة عن “اسرائيل” بالقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، فلأول مرة منذ 67 عاما ستعرض جرائم “إسرائيل” أمام القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني”. وأضاف إن “الملف الفلسطيني يتضمن الجرائم المقترفة في الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة منذ تاريخ 13/6/2014، بدءا من الحملة العسكرية على الخليل ومن ثم باقي الضفة الغربية والعدوان الأخير على قطاع غزة، والتحقيق في جرائم الحرب، وسيشمل الطلب أيضا الاستيطان كجريمة حرب مستمرة منذ 67 عاما، والجرائم بحق الأسرى”.
يدعم هذه المهمة الفلسطينية او المبادرة السياسية الرسمية ما تقوم به بلدان اجنبية، غير عربية، بما يشجع الفلسطينيين على الصمود والكفاح الوطني من اجل حقوق الشعب العادلة والمشروعة. فمثلا تقدمت الكتل البرلمانية السلوفينية الثلاثة، قائمة اليسار الموحد والحزب الاشتراكي الديمقراطي، وتحالف “الينكا براتوشيك” الليبرالي، بمشروع قرار للبرلمان للاعتراف بدولة فلسطين، على أن يتم التصويت عليه في شهر سبتمبر القادم. ووصى الحزبان الاشتراكي البلجيكي، والعمال البلجيكي، بعزل الشركات التي تدعم الاستيطان الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة، واعتباره واحدا من أهم العوائق لإقامة دولة فلسطينية مستقلة. إضافة الى نشاطات وفعاليات ومواقف متتالية من مؤسسات وأحزاب وشخصيات سياسية غربية تؤيد النضال الوطن الفلسطيني وحقوق الشعب المشروعة.
وقد رحبت دائرة العلاقات الدولية في منظمة التحرير الفلسطينية وأغلبية المنظمات الفلسطينية عبر مكاتب اعلامها المركزية بهذه المواقف والتوصيات مؤكدة أن تطور المواقف الأوروبية يشكل خطوة هامة على “طريق إقامة دولة فلسطينية مستقلة على كامل الأراضي التي احتلتها إسرائيل عام 1967 وعاصمتها القدس الشريف”. وأكدت الدائرة والمنظمات أن المواقف الأوروبية المتلاحقة التي تؤيد حق الشعب الفلسطيني بإقامة دولته المستقلة إنما “تدعم حل الدولتين، وتشكل دفعة لعملية السلام المتعثرة”.
كما ان الحملة الدولية BDS لمقاطعة وسحب الاستثمارات من الكيان الاسرائيلي وفرض العقوبات عليه، وتقرير مجلس حقوق الانسان للأمم المتحدة الصادر في 23/6/2015 بإدانة حرب العدوان على قطاع غزة، واعتبار سقوط أكثر من 1453 مدنيا بينهم 500 طفل جرائم حرب ارتكبها الجيش الاسرائيلي، (رغم ما ورد فيه من تعميم!) هي بمجموعها ادانات دولية قانونية لنزع أية شرعية عن الاحتلال والاستيطان والعدوان الصهيوني المتواصل.
بعد كل ذلك، لم يزل الكيان الصهيوني بعيدا عن المحاكمة والمحاسبة والردع القانوني والأخلاقي، وهناك من يساعده على الافلات من العقاب،(بأشكال متعددة، منها التطبيع معه!) وهذه مهمة اخرى يتوجب العمل عليها والمطالبة بها ومحاكمة كل من يساعد او يشجع او يغض النظر عن الكيان ووظيفته العدوانية.

إلى الأعلى