السبت 22 يوليو 2017 م - ٢٧ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / من “أسود الكرخ” إلى “أسود الجزيرة”: ما سالفة شيوع هذه “الليثية”؟

من “أسود الكرخ” إلى “أسود الجزيرة”: ما سالفة شيوع هذه “الليثية”؟

أ.د. محمد الدعمي

” ..إذا كان الميل العربي للحجم الكبير وللقوة قد تجسد في العديد من هذه العناوين والأوصاف قبل الإسلام وبعده، فانه ما لبث وأن عاد الى الحياة متبلوراً في العصر الحديث: إذ أطلق عنوان “اسد النيل” على المرحوم “محمد نجيب” بعد إزاحة الملك فاروق عن العرش في مصر. وتنطبق ذات الحال على الزعيم العراقي الراحل “عبد الكريم قاسم” الذي سمي بـ”أسد الرافدين””
ـــــــــــــــــــــــــ
لم أتمالك نفسي قبل بضعة أيام، وأنا استمع إلى خبر مفاده أن الإرهابي المجرم الذي فجر نفسه في وسط المصلين بجامع الصادق في الكويت، كان ينتمي الى منظمة إرهابية أطلقت على نفسها عنوان “أسود الجزيرة”، الأمر الذي ذكرني بالصبيان الذين دسوا وريقة صغيرة تحت باب سكني سنة 2006 لغرض تهجيري، إذ أنهم هددوا بقتلي وأولادي إن لم أخلِ السكن خلال اسبوعين، بامضاء نصه: “أسود الكرخ”! والكرخ هو الصوب المقابل لصوب الرصافة المكونين لبغداد.
والحق، فإن الحادثتين قد أطلقتا شيئاً من تيار الوعي في دخيلتي حول الإفتتان العربي بالأسد، إستثناءً من بين جميع القطط المنتمية لذات الفصيلة الحيوانية. هذا العقل الصحراوي يقرن الأسد بالقوة والشراسة منذ أقدم العصور، إذ تم تصوير أباطرة وملوك العراق القدماء كصيادي أسود، ولم تزل هذه التصويرات محفورة على الجدران الآشورية والبابلية القديمة، دلائل على شجاعة وبسالة هؤلاء الملوك (علماً بأن آخر أسد عراقي قد قتل في بداية القرن الماضي بالقرب من مدينة الحلة). أما بعد فجر الإسلام فقد قرن العقل العربي المسلم كبار الصحابة من العسكريين الشجعان بالأسود، إذ أطلق وصف “أسد الله الغالب” على الإمام علي بن ابي طالب بعدما أطلق ذات الوصف على حمزة ، عم النبي محمد (صلى الله عليه وسلم)، نظراً لشجاعتهما وبسالتهما في الميدان.
وإذا كان الميل العربي للحجم الكبير وللقوة قد تجسد في العديد من هذه العناوين والأوصاف قبل الإسلام وبعده، فانه ما لبث وأن عاد الى الحياة متبلوراً في العصر الحديث: إذ أطلق عنوان “اسد النيل” على المرحوم “محمد نجيب” بعد إزاحة الملك فاروق عن العرش في مصر. وتنطبق ذات الحال على الزعيم العراقي الراحل “عبد الكريم قاسم” الذي سمي بـ”اسد الرافدين” بعد ثورة 14 يونيو، 1958، بينما اشتهر مقره في وزارة الدفاع وسط بغداد بعنوان “عرين الأسد”.
ويبدو أن الإعجاب العربي بالأسود وبالليثية لا يعرف حداً معيناً، بدليل أنه بعد وفاة المغفور له الرئيس “حافظ الأسد”، راح الحديث الإعلامي يشيع لفكرة “هذا الشبل من ذاك الأسد”، في إشارة واضحة الى الرئيس التالي “بشار الألسد”، الأمر الذي أثار غيرة الإعلام في العراق، فاطلقت إنشودة تمجيد للرئيس السابق صدام حسين بعنوان “ابي الليثين، عدي وقصي”، وهكذا دواليك. أما على المستوى الشعبي العام، فقد عمد العديد من الآباء على إطلاق اسماء الأسد ومشتقاتها (اسد، ليث، غضنفر، اسامة، أسد، سبع، إلخ) على أولادهم ساعة الولادة في مجتمعاتنا الميالة الى الخشونة والعنف للأسف، من بين سواها، كناية عن الشجاعة والشراسة والإقدام، على عكس التغني بالأسماء الرقيقة كالرأفة والرحمة والود عبر أسماء “رؤوف” أو “رحيم” أو “ودود”، وهكذا.
والحق، فاني قد إستذكرت شريطاً مصوراً إنتشر قبل اسابيع عبر شبكات التواصل الاجتماعي يميط اللثام عن جانب ودود وسلمي لم يعهده العرب في الأسود، وأقصد بذلك الجانب العاطفي لهذا الحيوان ذي الكتلة الهائلة، الحيوان الذي لا يكون شرساً إلاّ إذا جاع. هذا الشريط يريك كيف يستقبل اسد ضخم مدربته الروسية التي اعتنت به منذ ولادته، بعد سنوات من الفراق: هو لم ينسها قط ، فراح يحتضنها ويلعق شعرها ورقبتها، ويشم رائحتها، كما يفعل الطفل الصغير عندما تحضنه أمه. هذا يعني أن العقل العربي قد فضّل حذف هذا الجانب الجميل من طبيعة “ملك الغاب” واستقر تفكيره على جانب شراسته وقوة أسنانه ومخالبه.

إلى الأعلى