الخميس 19 يناير 2017 م - ٢٠ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / طبق “المكرونة” الذي أعطى ديليسيبس امتياز قناة السويس

طبق “المكرونة” الذي أعطى ديليسيبس امتياز قناة السويس

محمد عبد الصادق

” تكشف الوثائق تفاصيل عملية الحفر التي استمرات أكثر من أحد عشر عاماً وتتناول النفقات والتكاليف والعلاقات بين العمال من مختلف الجنسيات, كما تتعرض لمسألة السخرة الواقعة على آلاف الفلاحين المصريين, وتكشف المراسلات بين ديليسيبس ومسيو فوازان رئيس شركة قناة السويس العالمية الحياة اليومية وظروف العمل القاسية للعمال المصريين.”
ــــــــــــــــــــــــــ
اصطحبكم اليوم في رحلة تصفح سريع للوثائق التي أفرجت عنها مؤخراً الحكومة الفرنسية والمتعلقة بقصة حفر قناة السويس, التي بدأت بفكرة عرضها الدبلوماسي الفرنسي فرديناند ديليسيبس على حاكم مصر الخديوي سعيد, وكيف تم تنفيذها وإدارتها, وانتهاء بقيام جمال عبد الناصر بتأميمها, وتكشف الوثائق الفرنسية عن الحلم القديم لحفر قناة السويس؛ الذي طالما راود الفلاسفة والفاتحين على السواء, لأنه كان يمثل لهم ربطاً لقارة عظمى هي الكتلة الأوروبية من ناحية, والكتلة الأفروآسيوية من ناحية أخرى, لذا حفر قدماء المصريين مجاري مائية مختلفة عبر التاريخ ربطت بين البحر الأحمر والنيل ومنه إلى سواحل البحر الأبيض المتوسط ومن ثم أوروبا.
إلاّ أن اكتشاف فاسكو داجاما البرتغالي لطريق رأس الرجاء الصالح , ضرب اقتصاد وتجارة مصر المملوكية واقتصاد المدن الإيطالية البندقية ونابولي وجنوا فجاء إلى مصر وفد من أمراء البندقية عام 1501م ليعرضوا على السلطان الغوري فكرة جريئة وهي الاستغناء عن طرق القوافل والنقل النهري بحفر قناة تصل البحرين الأحمر والأبيض, ولكن ظروف مصر وقتئذ التي كانت في صراع مع الدولة العثمانية انتهى باحتلالها للقاهرة عام 1517م ـ لم تسمح بإقامة مشروع بهذا الحجم.
مات المشروع ولكن لم تمت الفكرة وراح الفيلسوف الألماني الشهير لا يبيتز يقترحها على الملك الفرنسي لويس الرابع عشر في إطار مشروع شامل لغزو واحتلال مصر, ولكن لويس لم يكن يريد إغضاب الباب العالي في الأستانة , كما أن أحلامه التوسعية كانت في اتجاه أوروبا, وعندما قامت الثورة الفرنسية وأطاحت بالملكية دخلت فرنسا في صراعات دموية مسلحة مع جميع ممالك أوروبا واستطاعت الانتصار عليها إلاّ مملكة واحدة وهي انجلترا, ومن هنا ظهرت فكرة احتلال مصر لقطع الطريق بين بريطانيا ومستعمراتها في الهند فكانت الحملة الفرنسية بقيادة نابليون بونابرت على مصر عام 1798م.
الوثائق تكشف أن حكومة “الدير كتوار” التي كانت تحكم فرنسا في ذلك الوقت أرادت التخلص من الضابط الشاب نابليون بونابرت, وكان عمره 27 سنة, بعد أن حقق انتصارات باهرة على إيطاليا, وأعطت الحكومة الفرنسية نابليون أمراً بالقيام بالحملة لحفر قناة البحرين وهو الاسم القديم, قبل أن يطلق عليها ديليسيبس قناة السويس بعد نصف قرن من مغادرة الحملة الفرنسية مصر, وتتحدث الوثائق عن الخروج الوحيد لنابليون خارج القاهرة لسبب غير عسكري , وهو ذهابه ومجموعة من المهندسين يرأسهم مهندس يدعى لوبير, لمعاينة موقع حفر القناة هندسياً عند مدينة السويس تمهيداً للبدء في الحفر.
لكن لوبير أقنع نابليون بالعدول عن المشروع لأنه اكتشف أن مستوى البحر الأحمر أعلى من مستوى البحر الأبيض, وقال له إذا حفرنا عند السويس فستغرق مصر كلها, وعاد نابليون إلى القاهرة حزيناً لكن الحلم لم ينته, إذ قام مجموعة من المهندسين من خريجي مدرسة البوليتكنيك الشهيرة وكانوا مفتونين بعظمة بونابرت ـ بزيارة مصر في عصر محمد علي في عام 1832م وحصلوا على إذن منه بالذهاب إلى السويس من جديد, وتبين لهم أن البحرين مستويان وأن مهندس نابليون أخطأ الحساب والتقدير, ولكن محمد علي حدد شرطين لحفر القناة؛ أن تضمن القوى العظمى حيادية القناة وبالتالي استقلال مصر, والثاني أن يمول حفر قناة السويس من الخزانة المصرية ولا يساهم فيها أحد من الخارج وبالطبع كان الشرطان مستحيلين, لكنهما أظهرا حنكة وبعد نظر محمد علي.
وعن علاقة أسرة ديليسيبس بأسرة محمد علي؛ تقول الوثائق الفرنسية إن نابليون بونابرت ظل مسكوناً بمصر بعد 13شهراً أقامها على أرضها, وبعد أن عاد لفرنسا مهزوماً على يد الإنجليز في 1801م, أرسل دبلوماسياً اسمه ماتيو ديليسيبس إلى مصر التي كان يحكمها البرديسي الذي اختاره الإنجليز, ووقع اختيار ماتيو على الضابط الألباني محمد علي المقرب من شيوخ الأزهر فاصطفاه وقدم له المشورة والمساعدة حتى برز وتمكن من الوصول لحكم مصر.
لم ينس محمد علي فضل ديليسيبس الأب وعندما مات جاء ابنه فرديناند ليعمل قنصلاً مساعداً لفرنسا بالإسكندرية, واستقبله محمد علي بحفاوة كبيرة وعرض عليه أن يعمل في القصر مربياً ومعلماً لأحب أبنائه سعيد, وتوطدت عرى الصداقة بين الدبلوماسي الفرنسي والأمير الشاب؛ الذي لم يكن يعرف أن محمد علي طلب منه القيام بعملية تخسيس صعبة للأمير الذي كان سميناً للحد الذي أقلق الباشا على مستقبل ابنه, وبدأ ديليسيبس برنامجاً رياضياً شاقاً مع الأمير سعيد وتكشف الوثائق أن محمد علي أصدر أمراً بمنع طبخ أو تناول المكرونة بجميع أنواعها في القصور الملكية, حتى لا يغري ذلك الأمير الذي يعشق المكرونة على الطريقة الإيطالية, ولكن ديليسيبس كان يسمح لسعيد بتناول أطباقه المفضلة من المكرونة خلسة ودون علم الأب, متحملاً بذلك مسؤولية خطيرة أمام الباشا.
ومرت الأيام وولى عصر محمد علي, وخلفه حفيده عباس حلمي, وجاء سعيد إلى الحكم في وقت كانت أسرة ديليسيبس تعاني الفقر والعزلة عقب سقوط نابليون في فرنسا, فما كان من فرديناند إلاّ أن ركب أول سفينة متجهة إلى الإسكندرية, ليصلها في صباح السابع من نوفمبر عام 1854م, ويلتقي بالخديو سعيد ويعرض عليه مشروع حفر قناة السويس, الذي قبله على الفور دون النظر للتحفظات التي سبق وأبداها أبوه, وكأن سعيد أراد التعبير عن امتنانه لمن قدم له طبق المكرونة الممنوع, ليفتح بذلك صفحة خطيرة في تاريخ مصر والعالم.
تكشف الوثائق تفاصيل عملية الحفر التي استمرات أكثر من أحد عشر عاماً وتتناول النفقات والتكاليف والعلاقات بين العمال من مختلف الجنسيات, كما تتعرض لمسألة السخرة الواقعة على آلاف الفلاحين المصريين, وتكشف المراسلات بين ديليسيبس ومسيو فوازان رئيس شركة قناة السويس العالمية الحياة اليومية وظروف العمل القاسية للعمال المصريين.
ويدافع ديليسيبس عن مأساة السخرة ويرى أن انجلترا هي من تقف وراء هذه الحملة التي تهدف إلى وقف المشروع لأن من تقوم بتنفيذه فرنسا, ويعترف ديليسيبس بوقوع السخرة التي راح ضحيتها أكثر من 120ألف عامل مصري ولكنه يبررها بأنها فرضت عليه فرضاً نتيجة نظام اجتماعي مصري يتعامل بالسخرة في جميع الإنشاءات المدنية كشق الطرق وإنشاء الترع والجسور.
تقفز الوثائق إلى تفاصيل الاحتفال الأسطوري بافتتاح قناة السويس الذي تم في عصر الخديو اسماعيل الذي تولى حكم مصر بعد وفاة الخديو سعيد, حضر الاحتفال إمبراطور فرنسا نابليون الثالث ابن أخو نابليون بونابرت وزوجته الأمبراطورة أوجيني, ومعظم ملوك أوروبا ونبلائها, والأمير البطل عبد القادر الجزائري, وقدمت أوبرا عايدة للموسيقار الإيطالي فيردي عند سفح الأهرامات.
في عام 1956م قام جمال عبد الناصر بتأميم قناة السويس, وقامت انجلترا وفرنسا وحليفتهما إسرائيل بشن العدوان الثلاثي على سيناء ومدن القناة, ولكن مصر بقيادة عبد الناصر تصدت للعدوان وصمد الشعب المصري في وجه العدوان والحصار وقامت مجموعة من الفدائيين بهدم تمثال ديليسيبس الذي كان يتصدر المدخل الشمالي لقناة السويس, وانكسر العدوان وجلت القوات الغازية عن سيناء والقناة ومدنها, وتولى المصريون إدارة القناة, بعد مفاوضات شاقة مع الشركة الفرنسية, انتهت بتعويض حملة الأسهم الأوروبيين, وآلت ملكية القناة بالكامل للمصريين.

إلى الأعلى