الثلاثاء 25 يوليو 2017 م - ١ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / الصدق…. صمام الأمان (1)

الصدق…. صمام الأمان (1)

يقول الله تبارك وتعالى: { والذي جاء بالصدق وصَدَّق به أولئك هم المتقون* لهم ما يشاءون عند ربهم ذلك جزاء المحسنين} سورة الزمر الآيتان”33-34″.
لا ريب أن الذي جاء بالصدق لابد أن يكون صادقًا، بل حتمًا يكون صادقًا، والذي جاء بالصدق في الآية الكريمة هو نبينا محمد صلى الله عليه سلم الذي عُرف بالصدق بين قومه حتى قبل البعثة، فأطلقوا عليه الصادق الأمين؛ إذ لم يجربوا عليه كذبُا قط، ولصدقه وأمانته ورجاحة عقله رضيت به قبائل قريش أن يكون حكمًا بينها يوم أن اختلفت واختصمت في رفع الحجر الأسود، ووضعه في مكانه عندما أعادت بناء الكعبة قبل الإسلام، وآيات الكتاب العزيز كلها ناطقة بصدقه صلى الله عليه وسلم، من ذلك قول الله تعالى: { ولو تقول علينا بعض الأقاويل* لأخذنا منه باليمين* ثم لقطعنا من الوتين* فما منكم من أحد عنه حاجزين} سورة الحاقة الآيات”44-47″.
وهذه آيات العتاب شاهدة على صدقه صلى الله عليه وسلم تقول السيدة عائشة رضي الله عنها: لو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كاتما شيئا من الوحي لكتم هذه الآية { وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا ۚ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا } سورة الأحزاب الآية”37″.
ويقول الإمام على بن أبي طالب كرم الله وجهه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس صدرًا، وأصدقهم لهجة، وألينهم عريكة، وأكرمهم عشرة، من رآه بديهة هابه، ومن خالطه معرفة أحبه، يقول ناعته: لم أرَ قبله ولا بعده مثله صلى الله عليه وسلم.
وهؤلاء أعداء النبي صلى الله عليه وسلم يشهدون له بالصدق رغم حقدهم وعداوتهم له، وكفرهم بما جاء يه من عند ربه وهو الإسلام؛ فهذا أبو سفيان صخر بن حرب يوم أن كان مشركًا، بل كان أحد أئمة الكفر، وألد الأعداء للنبي صلى الله عليه وسلم لما سأله هرقل عظيم الروم عن النبي صلى الله عليه وسلم قائلاً: هل تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟، قال أبو سفيان: لا، قال هرقل: فما كان ليَدع الكذب على الناس ويذهب فيكذب على الله عز وجل، ثم سأله: هل يغدر؟، قال أبو سفيان: لا، قال هرقل: وكذلك الرسل لا تغدر، ثم سأله: بماذا يأمركم؟، قال أبو سفيان: بأن نعبد الله ولا نشرك به شيئًا، ويأمرنا بالصلاة، والصدق، والعفاف، والصلة، قال هرقل: فإن كان ما تقول حقا فسيملك موضع قدمي هاتين، وقد كنت أعلم أنه خارج لم أكن أظن أنه منكم، فلو أني أعلم أني أخلص إليه لتجشمت لقاءه ولو كنت عنده لغسلت عن قدمه، وكان هذا الحوار قد دار بين أبي سفيان وهرقل في مدينة إيلياء – القدس الشريف- في مجلس هرقل على مسمع ومرأى من رجالات هرقل، وممن كان مع أبي سفيان من رجالات قريش. والحوار رواه البخاري في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنهما وهو حوار طويل.
وقال المسور بن مخرمة قلت لأبي جهل- وكان خالي-: يا خال، هل كنتم تتهمون محمدًا بالكذب قبل أن يقول مقالته؟، فقال: والله يا ابن أختي، لقد كان محمد وهو شاب يُدعى فينا الأمين، فلما وخطه الشيب لم يكن ليكذب. قلت: يا خال، فلم لا تتبعونه؟، فقال: يا ابن أختي، تنازعنا نحن وبنو هاشم الشرف، فأطعموا وأطعمنا، وسقوا وسقينا، وأجاروا وأجرنا، فلما تجاثينا على الركب، وكنا كفرسي رهان، قالوا: منا نبي. فمتى نأتيهم بهذه؟.
وقد روى البخاري في صحيح من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: { لما نزلت وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} سورة الشعراء الآية”214″ صعِد النبي صلى الله عليه وسلم على الصفا، فجعل ينادي: يا بني فهر، يا بني عدي- لبطون قريش- حتى اجتمعوا، فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولًا؛ لينظر ما هو، فجاء أبو لهب وقريش، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” أرأيتكم لو أخبرتكم أنَّ خيلًا بالوادي تريد أن تُغير عليكم أكنتم مُصدقيَّ؟، قالوا: نعم، ما جرَّبنا عليك إلا صدقًا، قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد، فقال أبو لهب: تبًّا لك سائر اليوم، ألهذا جمعتنا؟، فنزلت { تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ} سورة المسد. وللحديث بقية.

يوسف بن ابراهيم السرحني

إلى الأعلى