الأحد 24 سبتمبر 2017 م - ٣ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / إدارة الوقت

إدارة الوقت

(1)

﴿ حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (100(﴾
سورة المؤمنون
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
معاني المفردات :
* (حَتَّىٰ إِذَا جَآءَ أَحَدَهُمُ ٱلْمَوْتُ ) : أي المشركين المكذبين بالله واليوم الآخر.
* ( قَالَ رَبِّ ٱرْجِعُونِ ): تمنى الرجعة كي يعمل صالحاً فيما ترك !، وقيل : إن معنى ارجعون على جهة التكرير؛ أنه كرر الطلب: أرجعني أرجعني أرجعني، فجمعها الله تعالى.وقيل : إنه استغاث بالله فقال: ربّ ، ثم خاطب الملائكة: ارجعون إلى الدنيا.
*(لَعَلِّيۤ أَعْمَلُ صَالِحاً ) : يريد أشهد أن لا إله إلاالله وما يتبعها من عمل صالح.
*( فِيمَا تَرَكْتُ ) : فيما ضيعت و تركت العمل به من الطاعات، وقيل { فيما تركت} من المال فأتصدق.
*(كَلاّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا) : عند الموت ، ولكن لا تنفع ؛ أي ليس الأمر على ما يظنه من أنه يجاب إلى الرجوع إلى الدنيا، بل هو كلام يطيح في أدراج الريح!!
*(وَمِن وَرَآئِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ ) أي:من أمامهم وبين أيديهم. وقيل : من خلفهم.
*( برزخ) : أي حاجز بين الموت والبعث.

التفسير الجملي :

الإنسان لمجرد أن تحضره سكرات الموت ويُوقِن أنه ميّت تتكشف له الحقائق ويرى ما لا نراه نحن، فيتمنى أن يرجع إلى الدنيا وهو ما يزال يحتضر، لماذا؟ لأنه رأى الحقيقة التي كان ينكرها ويُكذِّب بها!!
والذين يشاهدون حال الموتى ساعة الاحتضار يروْنَ منهم إشارات تدلّ على أنهم يروْنَ أشياء لا نراها نحن، كُلٌّ حَسْب حالته وخاتمته.

لكن، لماذا الرجوع؟
} لَعَلِّيۤ أَعْمَلُ صَالِحاً{ أنني تركتُ كثيراً من أعمال الخير، فلعلِّي إنْ رجعتُ أستدرك ما فاتني من الصالحات، أو لعلِّي أعمل صالحاً فيما تركتُ، لأنني بخلت بمالي وبمجهودي وفَضْلي على الناس، وكنْزتُ المال الكثير، وتركتُه خلفي ثم أُحاسب أنا عليه، فإنْ عُدت قدمته وأنفقته فيما يدخر لي ليوم القيامة.

ثم تأتي الإجابة: ( كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَآئِلُهَا.. ) أي قوله: ارجعون لعلِّي أعمل صالحاً فيما تركت، إنها مجرد كلمة لا واقع لها، كلمة يقولها وقت الضيق والشدة، فالله تعالى لن يرجعهم، ولو أرجعهم ما فعلوا؛ لذلك نفاها بقوله (كلا) التي ترد على قضايا تريد إثباتها، ويريد الله تعالى نفيها.
ثم يقول سبحانه: { وَمِن وَرَآئِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ {أي: كيف يتمنوْنَ الرجوع وبينهم وبينه برزَخ يمنعهم العودة إلى الدنيا؛ لذلك تُسمَّى الفترة بين الحياة الدنيا والآخرة بالحياة البرزخية، فليست من الدنيا، وليست من الآخرة.

الوقت هو نعمة من نعم الله تعالى علينا وهو ملك للجميع ، وهذه النعمة مقرونة بعقل يستغلها أفضل إستغلال، وافضل إستغلال طبعاً يكون في الخير، ولا شك أن إدراك الإنسان لقيمة وقته ليس إلا إدراكًا لوجوده وإنسانيته ووظيفته في هذه الحياة الدنيا، وهذا لا يتحقق إلا باستشعاره للغاية التي من أجلها خلــقه الله عــز وجل وإدراكه لها.
فمــن المعلــوم أن الله قد خــلق الإنسـان لعبادته، قال تعالى:
}وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُون (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ(57)إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ {
والمقصود بالعبادة هنا هو معناها الشامل :اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة. لذلك كان الوقت أغلى ما يملكه الإنسان، فهو كنزه، ورأس ماله الحقيقي في هذه الدنيا، ذلك أنه وعاء كل شيء يمارسه الإنسان في حياته، ومسؤولية الإنسان عن وقته شاملة لجميع عمره، وهذا الوقت مما يُسأل عنه يوم القيامة !!!

ومما ينبغي الإشارة إليه هو أن تأكيد الإسلام على إعطاء النفس حقها من الراحة والسعة دليل على قيمة الوقت وأهميته في الإسلام، قال تعالى: }وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا (9 ( وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (10) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا{أي جعل الله النوم قطعًا للحركة ، لتحصل الراحة من كثرة الترداد والسعي في المعايش في عرض النهار وكأن النوم راحة إجبارية يتقوى بها الإنسان.

ولكن هذا الحق من النوم والراحة للجسد والبدن مشروط ، أي ينبغي أن يتقوى به الإنسان لما بعده، ويحتسبه للعمل، فهو يرتاح ليتقوى على العمل، وليست الراحة لمجرد البطالة !!
فمن العقوق للزمن أن يمضي على الواحد منا يوم لا يستفيد منه نمواً في علمه، ولا زيادة في إيمانه وتقواه لربه، ولا يزيد فيه عملاً صالحاً يقربه من ربه، ورضي الله عن ابن مسعود إذ يقول: ” ما ندمتُ على شيء ، ندمي على يومٍ غربت شمسُه نقَصَ فيه أجَلي، ولم يزدد فيه عملي”.

ومن ما تقدم نرى أن :
• الوقت كنز إن صح إستعماله وإدارته ، ولا تعجب أن تقدم الأمم يقاس بحسن إستثمارها للوقت، فالأمة التي تقيم أمورها على الوقت هي التي تملك أهدافاً وتسعى لتحقيقها…راجين أن نكون خير أمة أخرجت للناس.
• الوقت هو الحياة ، فهو في الحقيقة حياتنا على هذه الأرض لكي نقدم فيها ما يوصلنا إلى الغاية التي لأجلها خلقنا.
• والوقت نعمة وأمانة ، يضيعها كثير من الناس، فالوقت إذا ذهب لن يرجع ، وهذا يدفعنا لإستغلال كل لحظة منه ،
كان ابن عمر رضي الله عنهما يقول :” إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح ، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء ، وخذ من صحتك لمرضك ومن حياتك لموتك”.

نسأل الله – عز وجل – بمنِّه وكرمه أن يعاملنا بلطفه وكرمه، وأن يرزقنا حسن التعامل مع أوقاتنا، وأن يجعل يومنا خيراً من أمسنا، ومستقبلنا خيراً من حاضرنا، وأن يوفقنا لفعل الخيرات، وترك المنكرات، وأن يأخذ بنواصينا ونواصي ذرياتنا وأحبابنا إلى ما يحبه ويرضاه، إن ربي لطيف رحيم.

أ.جوخة بنت علي بن عبدالله الحارثية
دائرة الإرشاد النسوي بوزارة الأوقاف والشؤون الدينية

إلى الأعلى