الخميس 27 يوليو 2017 م - ٣ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / الدّيْن وأثره على المجتمع والشباب (1ـ2)

الدّيْن وأثره على المجتمع والشباب (1ـ2)

حوار ـ أحمد بن سعيد الجرداني:
بدر العبري: الدّيْن أثره سلبي في الأصل، ولا ينبغي أن يكون عادة إلا لضرورة أو حاجة ماسة يلجأ إليها
ـــ أي مجتمع بشري لا يستغني عن المعاملات المجتمعية، ومنها المعاملات المالية خاصة في عصرنا هذا

الدّيْن عند الفقهاء هو مال حكمي يثبت بالذمة ببيع أو استهلاك أو غيرهما، فيدخل فيه البيوع والإجارة والمزارعة والمساقاة والمهور ونحوها، فكلّ ما ثبت في الذّمة فهو دين كان بأي وسيلة ما كالقرض أو البيع أو المنفعة.
وأكثر ما ينتشر عند الناس في مفهوم الدّيْن أنّه قرين القرض، والأول أعم، والثاني صورة من صوره، فالقرض أو السلف يعرّفه بعض الفقهاء تمليك الشيء على أن يرد بدله، فهو بهذا صورة من صور الدّيْن، والدّيْن أعم.
وعليه كان هذا اللقاء بعون الله تعالى مع بدر بن سالم العبري ـ باحث وكاتب وزارة الاوقاف والشؤون الدينية.
في البداية ما هو الدّيْن؟
جاءت لفظة الدّيْن في قوله تعالى: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ}، وهذا في التركات، ويدل على وفاء الدّيْن حتى بعد الموت، فالوصية الدّيْن مقدمة على التركات.
ونزلت آية كاملة في سورة البقرة من أكبر الآيات القرآنية مفصلة لأحكام الدّيْن، ومبينة المكاتبة والشهادة، وبعدها آية الرهن وتحريم المضار لأحد الطرفين، وقبل آية الدّيْن الإشارة إلى تحليل البيوع وتحريم الربا، واستغلال حاجة الفقير والمحتاج بأي شكل من الأشكال.
أما القرض فوجدت فيه إشارات كذلك واضحة كقوله تعالى: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} وإن كانت الآية عامة إلا أنّ الجانب المادي يدخل فيها إن قصد الإعانة وتفريج هم المحتاج وكربته.
عموما الحديث عن الدّيْن في القرآن يطول ويحتاج لتفصيل، وما أشرنا إليه كفاية بإذن الله تعالى.
ثانيا الدّيْن في التطبيق النبوي:
المجتمع البشري في عهده – صلى الله عليه وسلم – كأي مجتمع آخر بشري، فيه المنفق وفيه المقتر، فيه المسرف وفيه البخيل، فيه المعين للناس وفيه الظالم المستغل، والنّاس في عهده كانوا يتعاملون بالربا الفاحش، ويستغلون حاجة المسكين، فقام عليه الصلاة والسلام مذكرا لهم بوصايا الله، والأدبيات القرآنية في تحريم الربا، وظلم الناس، واستغلال حاجة الفقير، بأي شكل من الأشكال، ومنها بطبيعة الحال عن طريق الدّيون والبيوع.
وحثهم على إعانة المحتاج، وإنظار المعسر، «مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ الله عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَومِ القِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يَسَّرَ الله عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِماً سَتَرَهُ الله فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَالله فِي عَوْنِ العَبْدِ مَا كَانَ العَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيْهِ».
ثالثا حكم الدّيْن
أي مجتمع بشري لا يستغني عن المعاملات المجتمعية، ومنها المعاملات المالية خاصة في عصرنا هذا، ولذا سيضطر إلى الدّيْن لتوفير حاجياته الضرورية من مسكن وزواج ووسيلة نقل وشبهه، لذا كان الأصل في الدّيْن الإباحة، ومع هذا فهو يدور وفق الأحكام الخمسة، فقد يكون واجبا إذا كان لضرورة، ويستطيع رده، وقد يكون مكروها إذا كان لغير ضرورة.
وعليه وإن كان الأصل الإباحة إلا أنه لحاجة ماسة، وإلا إن كان لغير حاجة فالأصل الكراهة، وذلك لما للدّيْن من أثر نفسي سلبي، من هم وغم بالليل والنهار، فلا ينبغي أن يكون عادة، أو أن يلجأ إليه إلا لحاجة ماسة.
الدّيْن أثره سلبي في الأصل
نجد بعض الشباب كثيرا يقترض من هذا وذاك؟ ما أثر ذلك على علاقته مع المجتمع؟
بلا شك كما أسلفتُ آنفا أنّ الدّيْن أثره سلبي في الأصل، ولا ينبغي أن يكون عادة إلا لضرورة أو حاجة ماسة يلجأ إليها، مع قدرة لإرجاع الدّيْن بعد حين، وجدول زمني يعينه في ذلك، وينبغي للمجتمع أن يكون متكاتفا أيضا في إعانة بعضهم بعضا.
وما يقوم به مثلا جماعة “فك كربة” الخيرية عندنا في عمان عمل نبيل جدا، وذلك بالنظر إلى من كان ضحايا السجون بسبب الدّيْن، فيفكون كربته ليعيش مع أهله وجماعته.
وعموما كثيرا ما ساءت العلاقة بسبب الدّيْن، وهذا إما أن يكون المدين مماطلا وإما أن يكون معسرا، ففي الحالتين يجد نفورا من المقرض، وقد يجد إيذاء بداية كلاميا يشيع عنه في المجتمع عدم رده للدّيْن، مما يؤدي إلى قطيعة الأرحام إن كان القرض مع ذوي الرحم، أو هجران الأقارب إن كان المقرض قريبا له نسبا أو مصاهرة، أو مع الجيران والأصدقاء إن كان خارجا عن دائرة الرحم والأقارب.
وقد يهجر المساجد ومجامع الناس، فلا يشارك الأفراح ولا الأتراح تجنبا لرؤية المقرض وإيذائه، ولو لم يكن الأخير مؤذيا إلا أنّ البعد النفسي يبعده عنهم.
بيد أنّ الإيذاء لا يمتد إليه فقط، فيمتد إلى زوجه وأولاده، مما يلحق بهم الضرر النفسي في المجتمع.
وقد يمتد إلى ضرر مادي ببيع بعض ماله كسكن أو نقل أو مزرعة للوفاء بدينه، فيعيش أهله بلا سكن أو نقل، وقد يرمى به في السجن إن كان عن طريق الشيكات البيضاء، فيتشتت أولاده، وقد يكون مصيرهم السرقة وبيع الأعراض.
كلّ هذا بسبب الدّيْن غير المنضبط، ومع هذا على المجتمع أن ينظر إلى الأبعاد المجتمعية في ذلك، فإن كان مماطلا لابد من ردعه، ولا يعان في ذلك، وإن كان معسرا، فنظرة إلى ميسرة، وأن يتكاتف الجميع في ذلك عونا له ولأبنائه وأهله، فهو جزء من المجتمع، والله تعالى فتح له أن يُعطى من الزكاة المفروضة، فهو من صنف الغارمين.
وهذا لا يُعفي الجهات المختصة من توفير الضرورات، وتهيئة العيش الكريم، والقدر الضروري لأي مواطن ليعيش حرا كريما.
كما أنه لا يعفي المصارف من استغلالها لحاجة المسكين، ليستغل في أكبر قدر من الفائدة أو الإيجار، فينبغي مراعاة ذلك، والأخذ دون استغلال لحاجة المحتاج، وفي البيوع غنى ورحمة.
وللموضوع بقية …

إلى الأعلى