الأربعاء 24 مايو 2017 م - ٢٧ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / فجر الحرية الآتي

فجر الحرية الآتي

علي بدوان

يتوجه الشعب الفلسطيني فجر كل يوم بأفئدته التي تدق وتتدفق فيها الدماء، وبروعة إيمانه برسالة السماء الصافية للبشرية جمعاء، رسالة العدل والمساواة والمحبة من أرض الرسالات السماوية في فلسطين، يتوجه بالدعاء للورود الجورية، للأسرى في سجون الاحتلال “الإسرائيلي”، دعاء الخلاص من ربق زنازين وقمع وغطرسة الاحتلال، دعاء الخلاص من التنكيل المُطبِق عليهم، كما هو مُطبِق على عموم الشعب فوق الأرض الفلسطينية المحتلة المفروض عليه عمليًّا الحصار في معسكر كبير للاعتقال الجماعي، كما هو حاله في قطاع غزة على وجه الخصوص، المحاصر ظلمًا وعدوانًا وعلى مشهد العالم والإنسانية بأسرها.
فالوقائع تشير إلى أن أكثر من (800) ألف فلسطيني من أبناء فلسطين في الأراضي المحتلة عام 1967 في الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة قد تعرضوا للاعتقال والتوقيف منذ العام 1967 وحتى اللحظة لا لسبب جرمي أو جنائي، بل لسبب بسيط عنوانه تمسكهم بحق شعبهم بحريته فوق أرض وطنه، وانتماؤهم لحركته الوطنية التحررية التي تعبر عنها مجموع القوى الفلسطينية المناهضة للاحتلال.
وفي زنازين الاحتلال “الإسرائيلي” الصهيوني وسجونه، يعاني أسرى فلسطين كل أشكال الاضطهاد والتنكيل، ومن الظروف اللاإنسانية التي تم حشرهم بها. فهناك أعداد كبيرة من الأسرى يعانون من أمراض خطرة جراء انعدام الرعاية الصحية والطبية وسوء التغذية. بل ذهبت بعض التقارير المؤكدة من داخل سجون الاحتلال للقول بأن سلطات الاحتلال جعلت من الأسرى حقل تجارب للعديد من أصناف الأدوية، وهو ما يذكرنا بالفضيحة المدوية التي أكدها الصحفي السويدي (ستروم) قبل عدة أعوام مضت وفيها تحدث عن المتاجرة “الإسرائيلية” الرسمية بأعضاء أجساد الشهداء الفلسطينيين.
إن المعلومات الموثقة التي تتوارد من داخل زنازين ومعتقلات الاحتلال تؤكد أن قرابة ألف أسير يعاني من حالات مرضية خطيرة تحتاج إلى علاج طارئ وعمليات جراحية عاجلة، فضلًا عن المئات من الأسرى الذين يعانون من الأمراض المزمنة ومضاعفاتها الخطيرة على حياتهم. كما أن الأسرى المرضى وعموم الأسرى، يسجنون في غرفهم التي تغلق عليهم باستثناء وقت قصير جدًّا، وبالتالي حجبهم عن نور الشمس التي تحمل لهم الصحة والعافية ونور الحياة وأمل المستقبل.
وفي هذا السياق، فإن الأسيرات يتعرضن بدورهن لتنكيل جسدي ونفسي، ومن إهمال طبي, ومن العقوبات داخل السجون والعزل واستخدام العنف المفرط ضدهن, والاحتجاز في أماكن لا تليق بهن, والاعتداء عليهن عند أي توتر وبالغاز المسيل للدموع, وصولًا إلى حرمانهم من زيارات الأقارب, ومنع عدد منهن من تقديم امتحان الثانوية العامة والانتساب للجامعات.
وكمثال بسيط نورد حالة الأسيرة السابقة (إيرينا بولي شوك شراحنة) من مخيم الدهيشة، وهي أوكرانية الأصل، أسلمت وتزوجت من المواطن الفلسطيني إبراهيم سراحنة، وتعيش معه في مخيم الدهيشة قضاء بيت لحم، واعتقلت بتاريخ (25/5/2002) وحكم عليها الاحتلال بالسجن لمدة عشرين عامًا وحكم على زوجها بالسجن المؤبد مدى الحياة ست مرات، لديها طفلتان، إحداهن اسمها ياسمين تعيش مع أهلها في أوكرانيا، والثانية اسمها غزالة، وهي تعيش مع أهل زوجها في بيت لحم، وحرمتها إدارة سجن هشارون من احتضان طفلتها خلال المرات القليلة التي سمح لها بالزيارة فيها.
إن سلطات الاحتلال، وفي مسار سياستها التعسفية الإجلائية العرقية انتهجت سياسة الإبعاد بحق الأسرى، وفق القرار الجائر الجديد (1650)، ولقد تم تنفيذ هذه السياسية ـ على سبيل المثال لا الحصر ـ بحق الأسير المحرر المبعد أحمد صباح من طولكرم، الذي أبعدته قوات الاحتلال إلى غزة بعد تسع سنوات أمضاها في السجون.
وفي هذا السياق، إن عمليات قمع الأسرى داخل السجون والمعتقلات على يد جيش الاحتلال وقواته الأمنية تواصلت بشكل مستديم، بل وتصاعدت في الأعوام الأخيرة بشكل ملحوظ، لكنها سجلت ارتفاعًا لم يسبق له مثيل منذ العام 2007. ومؤخرًا استخدمت قوات الاحتلال وحدتي “نخشون” و”ميتسادا” في قمع الأسرى الفلسطينيين منذ سنوات، وهي الوحدتان التي استخدمتهما أمس في اقتحام بعض أقسام سجن “عوفر” خصوصًا قسم “الوحدة الوطنية” كجزء من سلسلة انتهاكات طويلة لحقوق الأسرى التي تصنف وفقًا للقانون الدولي على أنها جرائم حرب. ولا يوجد اختلاف بين عناصر “ميتسادا” أو “نخشون” من حيث التدريب والتسليح وحتى المهام والأهداف، وإن كانت الأخيرة قد شكلت لقمع المعتقلين بينما الأولى وظيفتها إنقاذ محتجزين، إلا أن الوحدتين قد استخدمتا لقمع المعتقلين، وأفرادهما مزودون بأحدث الأسلحة لقمع إرادة الأسرى العزل.
إن وحدة “نخشون” تعتبر من أكبر الوحدات العسكرية في جيش الاحتلال، وشُكلت خصيصًا حسبما هو معلن لإحكام السيطرة على السجون عبر مكافحة ما يسمى بأعمال “الشغب” داخلها، وهذه الوحدات الخاصة ترتدي زيًّا مميزًا كتب عليه أمن السجون.
ومن المعروف بأن تلك الوحدتين القمعيتين مزودتان برصاص حي تستخدمه في قمع الأسرى، وقد أصب رصاصهما في إحدى حملاتها القمعية الشهيد محمد الأشقر، وهي ليست المرة الأولى التي يستشهد فيها أسير نتيجة لإصابته برصاص حي، إذ سبق وأن استشهد سبعة من الأسرى نتيجة إصابتهم بأعيرة نارية من قبل الجيش المدججين بالسلاح أو الوحدات الخاصة ومنهم الأسيران أسعد الشوا وعلي السمودي اللذان استشهدا في معتقل النقب في 16 آب (أغسطس) عام 1988 برصاص جنود الحراسة المدججين بالسلاح.
إن جرائم وحدات “نخشون” لم تقتصر على القمع والضرب والإيذاء المعنوي والجسدي ضد الأسرى، بل امتد في كثير من الأحيان للمساس بالمشاعر والمقدسات الدينية، متمثلة بقذف المصاحف الشريفة على الأرض والدوس عليها وتدنيسها وتمزيقها.
إن ملف الأسرى قضية مهمة وحيوية، لا تقل أهمية عن سائر المواضيع التي يفترض أن كما أن سلطات الاحتلال تسعى في سياق آخر إلى تجريد قضية الأسرى من مرجعياتها السياسية والقانونية، وتحاول أن تحتكر هذا الملف لصالح رؤيتها وشروطها العنصرية وتجاهل وجود شريك فلسطيني، مع عدم الاعتراف بالمعتقلين الفلسطينيين كأسرى حرب، وما يشكّله من انتهاكًا للقانون الدولي المتعلق بأسرى الحرب وحماية المدنيين في المناطق المحتلة.
هذا السياق، يقع على عاتق اللجنة الدولية للصليب الأحمر والأمم المتحدة وجميع المؤسسات الدولية والإنسانية ضرورة التدخل المباشر لدى قوات الاحتلال الإسرائيلي لضمان تطبيق اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 بالنسبة للأراضي الواقعة تحت الاحتلال، وهو ما يعني إطلاق سراح أسرانا من ربقة الاحتلال وسجونه.
ومن هنا، أهمية بلورة حملة عالمية للتضامن مع قضية الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين في السجون “الإسرائيلية” الصهيونية، وحث جميع المؤسسات الدولية السياسية والقانونية والحقوقية للتحرك الفعّال من أجل فرض إطلاق سراح أسرى فلسطين من سجون الاحتلال دون قيد أو شرط.

إلى الأعلى