الإثنين 23 أكتوبر 2017 م - ٣ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / تخبِّرك الوجوهُ عن القلوبِ

تخبِّرك الوجوهُ عن القلوبِ

علي عقلة عرسان

نتنياهو، ويعلون، وبينيت، ومزوز، وطاقم المتطرفين الصهاينة، في دولة العنصرية والإرهاب “إسرائيل”، يركزون هذه الأيام على “التحريض الفلسطيني ضدهم؟! ويتوعدون غزة بحرب تفوق جرائمهم فيها، وكل ما ارتكبوه ضد سكانها قبل سنة، من جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، فيما سمّوه “الجرف الصامد”.. وتقوم الحواشي من كل لون، لا سيما السياسية والإعلامية، بقرع الطبول على مسمع منهم، وكأنها صدى الناس، بينما هي في حقيقتها مبرمجة التحرك منهم، ومحرَّضة لتفعل ما تفعل. وفي الذرائع الأخيرة التي يتم التركيز عليها، أن حماس أصبحت أقوى مما كانت عليه قبل عام، وأنها تهدد المستوطنات، كما تهدد هي و”داعش” مصر في سيناء، وأن “إسرائيل” المهددة من هذين المصدرين وغيرهما، ستدافع عن نفسها ضد الإرهاب، وأنها على استعداد لتكون في تحالف عالمي واسع، لمحاربة الإرهاب الإسلامي المتمثل في داعش وسواها حيثما وجد. وترتفع درجة التحريض الإسرائيلي سياسيًّا وديبلوماسيًّا وإعلاميًّا، إلى مستويات أعلى، فتخاطب الأوروبيين بعد الأميركيين، بأن الخطر الإسلامي، انطلاقًا من داعش ـ وكأن داعش تجمع حولها المسلمين كافة، في دولة خلافة أصبحت قائمة، وحاكمة، ومطاعة في الوطن العربي والعالم الإسلامي ـ بأن ذلك الخطر يستهدفهم حيث هم، في حرب “حضارات”؟! على نحو ما قال صمويل هنتنجتون سابقًا. وقد قال ذلك بصراحة تامة، الصهيوني د. ميخائيل كوبي، في جريدة “إسرائيل اليوم”، بتاريخ ٢/تموز/ يوليو ٢٠١٥، قال: “ما زال الغرب يستصعب فهم هذه الظاهرة والتعامل مع مغزاها.. الميل هو إلى التعامل مع داعش وكأنه تهديد عسكري، وتجاهل الفكرة السياسية التي يمثلها باسم الإسلام.. إنه يسعى إلى الحرب بين الثقافات.. إن جهد إقامة الخلافة الإسلامية والعودة إلى أسس الإسلام، تجسد الكراهية الكبيرة للقيم الغربية، والرغبة في طمسها. الحديث يدور هنا عن صِدام حقيقي بين الحضارات، بالمعنى الأوسع للكلمة، حضارة الغرب ضد أولئك الذين يريدون محوها. وسيدرك الغرب أنها حرب وجودية”.
لا نريد أن نحصر مرامي هذا الكلام بتهيئة الأجواء السياسية، وتهيئة الرأي العام الغربي على الخصوص، لتقبل ما تهيئ له “إسرائيل” من عدوان جديد على غزة والمقاومة فيها، بكل فصائلها.. ونسترعي الانتباه إلى أنها تركز على هذا بوصفه أولوية، لكنها لا تهمل الهدف الأبعد، وهو الدفع باتجاه تحالف دولي، تكون ضمنه، ليقوم بمهمة أوسع وأشمل في المنطقة كلها. وفي الوقت الذي يتم فيه بذل جهد سياسي ـ إعلامي ـ ديبلوماسي باتجاه الغرب، الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا.. يتم بالتزامن مع ذلك بذل جهود لتهيئة سياسية ـ إعلامية، تقوم بها عناصر صهيونية أخرى، باتجاه مصر وبعض دول الخليج العربي.. وكلها تحرض ضد غزة وتركز عليها، وتوحي بأنها أحد مراكز دعم عمليات داعش في سيناء والخليج، وأن المسؤولية تقع على حماس التي تربطها علاقة بإيران؟! والإشارات المتكررة على علاقة حماس بإيران ترمي إلى اللعب على وتر حساس في دول عربية، لا سيما في دول الخليج العربي. الآراء والمواقف تتداخل، والأوراق تتنافر ألوانها، تتقارب وتتباعد، ولكنها تُحرَّك فتتحرك وتُحرِّك.. لكن الأهداف التي تحاول أن توظف ما هو في حكم المتضاد، تقوم على التركز على فعل عسكري عدواني قوي جدًّا ضد غزة، يؤدي إلى سحق حماس “بعد نفخها”، وتأكيد تداخلها اللوجستي على الأقل، مع داعش سيناء ومع فروعها في أماكن ومواقع أخرى غيرها.. وذلك يبقى هو الأساس الذي يجري التركيز عليه من جديد، ضد غزة وحماس وفصائل المقاومة الأخرى.. لتحقيق استقطاب غربي وعربي حول هذا الموضوع.
ويمكن أن نتبين ذلك بصورة أوضح، من خلال النظر إلى المشهد، عبر زاوية نظر “إسرائيلية” أخرى.. حيث تأتي مطالب غاية في التطرف والوحشية، من صهاينة يقيمون “مستوطنات” حول غزة، ويزحفون نحوها، ويهددون سكانها، ويدّعون أنهم مهددون منها، وأن على دولة “إسرائيل” أن تحميهم من تهديد غزة وحماس. وفي هذا الصدد نشرت جريدة يديعوت أحرونوت في ٢/٧/٢٠١٥ مقالًا لأرييلا رينجل هوفمان جاء فيه.. : “إن لجملة “إسرائيل فقدت قدرتها على الردع”، لا يوجد أي معنى، باستثناء معنى واحد ربما: في المرة التالية، نحن، أناس “نتيف هعسرا”، وكل السكان مثلنا، نتوقع من حكومة إسرائيل، ومن الجيش الإسرائيلي، أن يضاعف عدد القتلى الفلسطينيين، أو يفضل ثلاثة وأربعة أضعاف، وجعل القطاع كله جزر خرائب. إذ فقط هكذا، كما نعتقد، سيتحقق “الردع الحقيقي”./ انتهى الاقتباس.
ولمن يود أن يعرف حجم المطلوب تحقيقه في العدوان الصهيوني المطلوب القيام به ضد غزة، نذكِّر بأن ما أصاب غزة من خسائر، حسب المصادر الإسرائيلية ذاتها ـ حتى لا يقال إننا نستخدم الأرقام الفلسطينية المبالغ فيها ـ هي الآتي: أكثر من 2.200 شهيد ـ أكثر من 11000 جريح، نتج عن جراحهم آلاف المقعدين والمعوقين، الذين أضيفوا إلى آلاف من أمثالهم من ضحايا مرات العدوان الإسرائيلي على غزة، خلال السنوات العشر الماضية، التي استمر فيها الحصار الذي ضرب عليها عام ٢٠٠٦ ـ أكثر من 10، آلاف مبنى بين مهدم كليًّا ومتضرر بدرجات ـ وأكثر من نصف مليون نسمة أصبحوا بلا مأوى، ونازحين ومشردين في بلادهم.. وكل هذا الذي يعد خسائر غزة في العدوان الإسرائيلي الأخير عليها (٨ تموز/يوليو ٢٠١٤) ما زال جرحًا طريًّا نازفًا يضاف إلى جراح وقروح لم تندمل بعد، لأسباب كثيرة منها: تكرار العدوان، واستمرار الحصار، وتفاقم المعاناة من جراء انهيار الاقتصاد، وقلة الموارد التي هي بالأصل موارد شحيحة جدًّا.. فغزة فيها كثافة سكانية عالية جدًّا جدًّا، في بيئة شبه صحراوية لا يوجد فيها تربة خصبة ولا مياه حتى للشرب. وإذا نظرنا إلى المطلوب إنجازه، من وجهة نظر الصهاينة، حسب ما اقتطفناه مما نُشر، حتى تستعيد “إسرائيل” قدرتها على “الردع”، أو مصداقيتها بنظر المتطرفين من عنصرييها المحتلين لفلسطين.. وهو أربعة أضعاف ما “أنجزوه” في عدوان ٢٠١٤ المسمى “الجرف الصامد”، نجد أن المطلوب، وهو أربعة أضعاف يكون: 8800 “قتيل” شهيد، 44000 جريح، و40000 مبنى مدمر كليًّا أو جزئيًّا.. مع ملاحظة أن الخراب الذي لحق بغزة، في العدوان الصهيوني الأخير، لم يعالج بعد، ومثله كثير مما كان في العدوان المتكرر قبل ذلك.
بهذا “الإنجاز الدموي، الهمجي، الإجرامي” تستعيد دولة العنصرية والإرهاب مصداقيتها لدى عنصرييها، وبهذا تكون اقتلعت أو أوشكت على أن تقتلع غزة ومقاومتها من الوجود؟! ولكن ما تتطلع إليه الصهيونية المجرمة، مما هو أعظم، وأشمل، وأوسع بكثير من المطلوب تجاه غزة.. يكون ضد الفلسطينيين خاصة، والعرب والمسلمين عامة، وضد الحضارة العربية الإسلامية.. وهو تحالف دولي، على رأسه الغرب، يعمل على تدميرنا، وإعادة رسم خريطة المنطقة كلها وفق ما تريد الصهيونية وحلفاؤها، وحاميها الأول الولايات المتحدة الأميركية، وذلك تحت لافتة تدمير داعش.. على أن نتحمل نحن العرب والمسلمين العبء الأكبر من: الدم، والمال، والدمار، والتشريد، والانهيار المترتب على ذلك، أو اللازم لإنجازه.. وأن نكون النار وحطبها ومن يؤزها ويحترق فيها.. لكي ينتهي “قلق” اليهود، الذين يخافون على وجودهم، ويدعون الغرب إلى الخوف على وجوده، من حرب حضارات إسلامية على العالم، بذريعة الداعشية؟!
لن ينتهي هذا الفكر الصهيوني الشرير العفن، ولن يتوقف عن إنتاج العفونة والشر.. وسوف يستغل الأوضاع المأساوية التي نشأت في بلدان عربية، والعلاقات الفجائعية التي استجدت بين بلدان عربية وأخرى، وبلدان عربية وإسلامية، وما لحق بالعروبة والإسلام من تشويه وضعف ومآسٍ جراء الفتنة والتوحش المجنون لمن خاضها وما زال يخوضها.. ولا كل ما نتج من دمار وموت وخلل أخلاقي واجتماعي وسياسي من جراء تفاعلات ومضاعفات وتدخلات الآخرين، عن/ وفيما سمي “الربيع العربي”، وهو ربيع الشجون والجنون بحق، في البلدان التي مر عليها ذاك السَّموم المسمى ربيعًا، وما زال يجتاحها ويتطور فيها.
إلا أن الكارثة المتعددة الوجوه والأبعاد والأشكال، لا تتوقف عند هذا الحد من حدود التدخل الخارجي الذي تم حتى الآن، إذ المطلوب أكبر وأكثر وأشمل… وهو لا يتحدد فقط عند حد استهداف البلدان العربية، والعرب والمسلمين، والثقافة والحضارة والدين بقوى تغزوها من خارج كيانها.. بل هو في الابتلاء والأداء أكبر من ذلك وأسوأ بدرجات.. ويتمثل ذاك الأسوأ من الأسوأ، في استعدادنا غير المحدود، نحن العرب والمسلمين، لا سيما المفتونون منا بالصراعات المذهبية على حساب الإسلام ذاته وسمحته وتعاليمه.. استعدادنا التام للانخراط في تدمير وجودنا، وهويتنا، وحضارتنا، وقيمنا، وعقيدتنا، لكي ينتصر فريق مذهبي منا على فريق مذهبي آخر.. مستعينًا بعدو الكل على الكل؟! وفي هذا منتهى فقد العقل والتنكر للدين، ونبذ للحكمة والرشد والمسؤولية الأخلاقية والتاريخية.. وهو توغل في الضلال والتيه ما بعده توغل، وفقد للبصيرة ما بعده فقد..؟! وتلك هي الطامة الكبرى.. التي يراها البعض منا، فيصرخ، ولا يراها البعض الآخر منا فيتهمه بكل ما في الاتهام من فنون وجور وفجور.. وترانا نردد في تلك الأجواء الكئيبة، مع عمر أبي ريشة:
لا يلام الذئبُ في عدوانه إن يك الراعي عدوُّ الغنمِ
وكلنا يصح فيه أن يكون ذلك الراعي، لأنه لم يأخذ على يد الراعي في الوقت الملائم، وكلنا تلك الغنم، لأننا أهطعنا، ووضعنا رؤوسنا خلف المرياع الموالية للراعي ولاء لا يعرف حتى مجرد التفكير في مسوغات الولاء وحدوده، وما يوجبه وما ينفيه.. حيث لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.. وكلنا مخالب الذئب وأنيابه، يوظفنا أعداؤنا الذئاب ضدنا، فننهش لحمنا ونفتك بأنفسنا.. فيصبح الصهيوني العنصري المحتل يتصيدنا، ويُحرض على اصطيادنا، متى شاء وكيف شاء؟!
لا يوجد ما يمنع الصهيوني العنصري، عدو الأمة والإنسانية والدين/الإسلام، ومصدر العدون والكراهية.. لا يوجد ما يمنعه من فعل ما يريد بمن يراه عدوه اللدود، في زمان ومكان وظرف ملائم له.. فهو منذ وُجِد ينصب فخاخ الشر للأمتين العربية والإسلامية، ويهيئ ما يناسبه من أجواء وعلاقات ودعايات، ويعد القوة ويستعد الاستعداد كله، ويسن سكاكينه الحادة.. سكاكين جده شيلوك، تاجر البندقية، الذي يريد أن يقتطع رطل لحم، مما فوق القلب ومن ضمنه القلب، من صدر أنطونيو، ليشفي ما في نفسه من أحقاد على من يعاصره أو يدانيه أو يقاربه من العباد.. وها هي فرصه سانحة، قد لا تتكرر أبدًا، يقدمها له العرب والمسلمون على طبق من ذهب، ضد أنفسهم وأوطانهم، بل ويُبدون له الاستعداد التام بالعمل معه ولصالحه، ضد أنفسهم، ودينهم، وثقافتهم، وحضارتهم..؟! فلمَ لا يذهب إلى المدى الذي يشاء، في العدوان والقتل والتدمير والتآمر والاجتثاث والإبادة، وينهي وجود من يستهدفهم بحقده، ويراهم أصحاب حق لا يتركون حقهم ما داموا على قيد الحياة؟!.. ولم لا يقول قائله، ما قاله نحو غزة خاصة ونحو الفلسطينيين عامة، نحو مصريين ونحو مصر، ونحو سوريا التي تحرق نفسها.. وتجعل جنرالاته يقولون عنها وفيها، ما قاله أحدهم بلسان المقرر الشامت: “سوريا انتهت، انتهت، انتهت.. وسيأتي الوقت الذي نعلن فيه ذلك”؟!، وهي بذلك جعلت الفرخ المسمى زئيف جابوتنسكي، المسمّى على المسمّى، يقول في جريدة “إسرائيل اليوم / ١/٧/٢٠١٥” المفاهيم التي استخدمت في الماضي ستفقد قيمتها، مثل السلام مع سوريا من أجل أكل الحمص في دمشق، الذي كان سيكلفنا التنازل عن هضبة الجولان، هذا السلام لم يعد قائمًا، ولحسن الحظ أنه لم يتحقق”.. يقولون هذا، ويقولون سواه.. ويكوي كلامهم بعض الجباه بالنار.. إذ إننا حرقنا واحترقنا.. ولكن تغيب عن كثيرين منا، وتغيب عنهم وعن سواهم، حقائق يقفزون فوقها، ويستقرون في “العسل؟!” وكأن التاريخ قد انتهى، والأمة العربية ماتت، والإسلام زال على نمط غباء من صرخ يومًا في شوارع الموصل إبان “ثورة” قاسم: “دين محمد بطارخ = أي دين محمد بَطَلَ”، وتبين له بعد وقت قصير أنه هو الذي بَطَلَ.. وأن سوريا لن تقوم من رمادها..؟! إنه لا يعرف أن سوريا هي طائر الفينيق الذي يقوم من حريقه بعد كل حريق، ويشرق في كل صباح..؟! ولو قرأ على الأقل بعض صفحات التاريخ، واستخلص بعض دروس، حرب الفرنجة في بلاد الشام، سوريا الطبيعية، “أي الحرب الصليبية”، وحروب التتار والمغول على الأقل، من تاريخ بلادنا المجيد المديد.. لوجد أنها تنطق بالدروس، وتلقي حقائقها بوجه كل عديم البصيرة أعمى البصر، وتقول لمن يريد أن يعرف حقيقة سوريا، وأن يستخلص من تاريخها العبر، ويقرأ المستقبل بعين على الماضي، لوجد أن كل من/ وما في سوريا يقول: أرضنا لنا، الجولان في قلب كل منا، وفلسطين عربية هي الجزء الجنوبي من سوريا الطبيعية.. والزمن بيننا، وإن غدًا لناظره لقريب.
ولقرأ في وجوهنا صفحات قلوبنا، قراءة من نوع ما سجله شاعرنا العربي القديم، أخو الخنساء، زهير بن أبي سلمى، حيث قال:
متى تكُ في صديقٍ، أو عدوٍّ تخبّرك الوجوهُ عن القلوبِ

إلى الأعلى