الجمعة 26 مايو 2017 م - ٢٩ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / ثقافة وفنون / الشاعر عمر الفرّا.. امتزاج بروح البداوة وصور العروبة والمقاومة

الشاعر عمر الفرّا.. امتزاج بروح البداوة وصور العروبة والمقاومة

دمشق-العُمانية:
برحيل الشاعر عمرا الفرّا، تكون الساحة الأدبية العربية قد فقدت شاعراً اكتسب شعبيةً واسعة من خلال قصائده التي صدح بها الكثيرون بعد أن حفظوها عن ظهر قلب، ومن
أشهرها: “قصة حمدة” و”الأرض إلنا” و”حديث الهيل”. فقد حقق الفرّا، ابن مدينة تدمر الأثرية السورية، حضوراً قوياً في الساحة الشعرية منذ منتصف ثمانينيات القرن الماضي، عبر مجموعة كبيرة من القصائد المكتوبة باللهجة البدوية، ناهلاً من مخزونه الصحراوي الثري بالمفردات والتعاببير والصور. ومنذ مجموعته الأولى “قِصّة حمدة” التي تضم قصيدة تحمل الاسم نفسه سرعان ما انتشرت وذاع صيتها عربياً، كشف الشاعر الفرّا عن قدرة لافتة على شحن مستمعيه بمناخات درامية لم تكن شائعة في الشعر الشعبي السوري. وواكب الفرا بوجدانه المشبَع بالحماسة وبحسّه الأدبي المنحاز لقضايا وطنه وأمته، أبرز المنعطفات التي واجهت المنطقة، وفي مقدمتها الانتفاضة الفلسطينية التي مجّدها وهو يهدي الطفل محمد الدرّة إحدى قصائده، مروراً بالمقاومة اللبنانية التي أشاد بها، وانتهاءً بما يجري في بلده سوريا من أحداث دامية تستدعي الإدانة.
استطاع الفرّا أن يرسّخ اسمه على المستوى العربي، ووظف قصائده لتحريض المرأة على استعادة حقوقها وحريتها في الاختيار والرفض والتمرّد على الأعراف السلبية والتقاليد البالية، وهو ما تجلى في قصيدته الشهيرة “قِصة حمدة” التي بدت شبيهة بالملاحم البدوية الجوّالة، والتي من خلالها استعادت الثقافة البدوية مكانتها بعد أن كانت جزءاً مهملاً في النسيج الثقافي السوري. أصدر الفرّا العديد من المجموعات الشعرية، بالمحكية البدوية والفصيحة على السواء، عبّرت جميعها عن رؤى إنسان تجاوَز حياة البدو نحو مجتمعٍ حضري من دون أن يتخلى عن قيم الأصالة والأدب الملتزم. واشتُهر الشاعر بنبرة صوته الهادرة، والإلقاء الرجولي المتين، ما جعل جمهور أمسياته في ازدياد مستمر، وقد تشكّلت بفضله ظاهرةُ ” عشاق المحكية”، لينتزع بذلك مكانته بين شعراء جيله، مختطّاً دربه عبر تسجيلات بصوته كان الشباب يقتنونها على أشرطة الكاسيت، ويرددونها كأهزوجة لم تقْطع مع فلكلورهم وتراثهم الغنائي. اللافت في ما تركه الفرّا من إصدارات شعرية، هو قدرته على الكتابة بالعربية الفصيحة، بمستوى يضاهي ذلك المستوى الذي أبدع فيه قصائده بالمحكية؛ حيث أصدر في هذا السياق كتابيه “الغريب” و”رجال الله”. ونجح الشاعر الراحل الذي انطلق من قلب بيئته “التدْمُرية” وصولاً إلى مدينة حمص التي عاش فيها، في التقاط نبض اللغة الشعبية المحكية، وقبضَ على روحية المكان بتاريخه وأقاصيصه المتناسلة التي تذهب عميقاً في تراث البادية، بحيث يمكن القول إن الشعر عند الفرَّا، لم يكن مجرد لعبة لغوية نجح في عجنها، بل هو أيضاً “تجربة حياة”. يُذكر أن الفرّا الذي رحل يوم 21 يونيو 2015، كتب أولى قصائده الشعبية وهو في الثالثة عشرة من عمره، وقد عمل بالتدريس في مدينة حمص لمدة 17 عاماً قبل أن يتفرغ للكتابة الشعرية والأدبية.

إلى الأعلى