الجمعة 24 مارس 2017 م - ٢٥ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / إفلاس اليونان مؤذن بأخطر أزمة عالمية في الغرب

إفلاس اليونان مؤذن بأخطر أزمة عالمية في الغرب

د.أحمد القديدي

”.. اليونان تشكل بموقعها الجغرافي آخر سد ضد مصائب الشرق وعواصفة الهوجاء القريبة فهي دولة تقع على حدود تركيا من غربها (التي هي تجاورها العراق وسوريا) وتحدها من شمالها دول ألبانيا وبلغاريا وكوسوفو (كل مناطق الهزات العنيفة في البلقان) مما يعني التصاقها التاريخي والحميم بمنطقتي أزمات راهنة وقادمة.”
ــــــــــــــــــــــ
أعيش هذه الأيام في باريس ومن باريس أرصد جدلا سياسيا تغلفه معضلة اقتصادية ومالية أوروبية بل عالمية وهذا الوضع غير مسبوق بكل المقاييس حيث اندلعت أزمة انهيار الاقتصاد اليوناني منذ خمسة أعوام حين أعلن رئيس حكومة أثينا السابق (بابندريو أن بلاده لم تعد قادرة على تسديد الديون المتخلدة بذمتها وشرع يهدد الدول الأوروبية والمؤسسات الدولية المقرضة بأنه في حالة عدم الاتفاق معه حول محو وتمديد أجال التسديد وحول موافقة البنك المركزي الأوروبي على ضخ مائة مليار يورو في البنوك اليونانية فاليونان إذا ما تخلت عنها دول الاتحاد الغنية حسب تقديره فهي لم تعد ترغب في عضوية منطقة اليورو العملة الأوروبية المشتركة ولعلها تفكر أيضا في مغادرة الاتحاد الأوروبي واهتزت أوروبا للحالة المأساوية التي بلغتها الخزينة اليونانية كما تزلزلت الأرض من تحت أقدام البنك المركزي الأوروبي وصندوق النقد الدولي والبنك العالمي وخافت دول الاتحاد الأوروبي من حدوث القارعة الكبرى المتمثلة في تصدع جدار البناء الأوروبي المشترك بعد جهود ستين عاما من تأسيس هذه الوحدة الإقليمية (والدينية …) الناجحة على أيدي وزير الاقتصاد الفرنسي في الخمسينات (جون مونيه) لأن خروج اليونان منه يعني انفراط عقد تأسس أصلا على التكامل الاقتصادي وخسارة لأوروبا استراتيجية وسياسية لأن اليونان تشكل بموقعها الجغرافي آخر سد ضد مصائب الشرق وعواصفة الهوجاء القريبة فهي دولة تقع على حدود تركيا من غربها (التي هي تجاورها العراق وسوريا) وتحدها من شمالها دول ألبانيا وبلغاريا وكوسوفو (كل مناطق الهزات العنيفة في البلقان) مما يعني التصاقها التاريخي والحميم بمنطقتي أزمات راهنة وقادمة. فاليونان ليست هينة من حيث الرموز التاريخية والثقافية لأنها تعتبر أم الديمقراطية منذ عهد أفلاطون وأرسطو وتعتبر أم القارة الأوروبية لأن اسم أوروبا هو في الأصل اسم ألهة إغريقية قديمة ثم إن سابقة انسلاخ دولة أوروبية عن الجسم الأوروبي سيفتح الباب على مصراعيه لتفكك تلك المنظومة التي تعتبر نفسها مثلا في الصمود أمام العواصف العالمية وتشكل تدريجيا قوة اقتصادية وعسكرية ونقدية (بفضل عملتها المتينة) يمكن هذه الدول التي كانت عادية منفردة بل ومتحاربة من أن تتحول حين تتحد إلى عملاق بين العمالقة يقرأ لها الآخرون حسابا في توزيع غنائم العالم، وجاءت هذه الأزمة اليونانية في مناخ تسوده فقدان الثقة الذاتية في مستقبل الغرب الليبرالي نفسه لأن الشك دب في الحليف الغربي الكبير الولايات المتحدة حيث تأكدت ألمانيا وفرنسا أن جواسيس أميركان ارتكبوا جريمة التنصت على الحلفاء الأوروبيين من قبل وكالة الأمن القومي الأميركي فازداد الصف الأوروبي تصدعا كما ازداد حرصا على الاستقلال عن العراب الأميركي ذي الأذان الطويلة. ومن جهة أخرى فالدول الأوروبية جميعا (باستثناء ألمانيا) معرضة لنفس إفلاس اليونان. فقد أعلنت فرنسا يوم الاربعاء 1 يوليو أن ديونها الخارجية بلغت 2089 مليار يورو بعد أن قفزت هذه الديون للدول الأوروبية بمبلغ 220 مليار يورو منذ يوم انتخاب الرئيس فرنسوا هولند …! وهذه المفارقة تدفع الدول الأوروبية إلى الإعتدال و التريث إزاء الأزمة اليونانية أضف إلى هذا التضامن القسري المفروض خلفية نفسية قاسية تنبش في ماضي القارة الأوروبية حيث أشار رئيس الحكومة اليوناني الشاب (ألكسيس تسيبراس) عديد المرات إلى الأضرار التي لحقت بلاده في الحرب العالمية الثانية حين دمرت ألمانيا النازية سنة 1941 أغلب مؤسسات البنية التحتية اليونانية ونهبت متاحفها وبنوكها وبالطبع فإن سيبراس يلمح الى حق اليونان في المطالبة الشرعية بالتعويضات مثلما عوضت الحكومات الألمانية المتعاقبة لليهود بعد المذابح النازية وهو يقول إن اليونان تطوي هذه الصفحات السوداء مقابل طي صفحة الديون اليونانية! إنها سياسة ذكية انتعجها هذا الزعيم المتمرد وفاز بفضلها برئاسة الحكومة منذ شهور قليلة وبعض الإعلاميين والسياسيين في أوروبا لقبوه بشي غيفارا أو بهيجو شافيز بسبب صموده في وجه ما يسمى بالنظام العالمي الليبرالي المتوحش كما يطلق عليه سبراس نفسه. إننا أمام أخطار حقيقية وشاملة كبرى وما ذلك الاستفتاء الذي دعا اليه الزعيم اليوناني شعبه يوم الأحد 5 يوليو سوى إضفاء الشرعية الشعبية على موقف متمرد يدرك رواده أن لا حل سواه بعد تفاقم مصائب العجز اليوناني وقبله الأسباني والإيطالي عن تسديد الديون والحفاظ على توازن المالية العامة. ثم إن القارعة الاقتصادية والمالية القادمة مع الأزمة اليونانية الأوروبية لن تقتصر على أوروبا بل يتوقع الخبراء والملاحظون أن تكون لها آثار خطيرة وعميقة وبعيدة المدى على العالم كله أكثر من أزمة الإنهيار المصرفي التي هزت العالم سنة 2008 واعتقد الناس أننا تجاوزناها بسلام. فنحن نواجه اتحادا أوروبيا كنا نعده الدرع الواقي من تغول العملاق الأميركي والعملاقين الروسي والصيني فإذا بهذا الدرع الواقي ينهار من أساسه أي من اليونان التي تحميه من تسونامي يهز العالم ويتمثل في انتشار العنف السياسي وعودة أشباح الحروب الأهلية والإقليمية التي تنذر بحرب كونية ثالثة قادمة ولا أخفيكم أنني حين أثير هذا الملف فإني أفكر في مستقبلنا العربي في مهب هذه العواصف العاتية لأن الدول تخطط حتى وهي بعيدة عن عين الإعصار أما نحن العرب فبصراحة لم أسمع عن أي اجتماع لوزراء المالية والطاقة والاقتصاد من المحيط إلى الخليج كأنما لسنا معنيين بهذه التحولات العميقة التي تطرأ على العالم من حولنا وتغير الخرائط كما تحور الضمائر فالعرب عرف عنهم هنا في الغرب أنهم لا ينسقون بل لا يتوقعون ولا يستشرفون المستقبل البعيد وسيظلون الى ما شاء الله ضحايا كل هزة إقليمية أو دولية يتحملون آثارها السيئة وهم مثل أعجاز النخل الخاوية كما أثبت التاريخ مع الأسف المرير !. فلتبادر الدول العربية ضمن ما يسمى جامعة الدول العربية إلى تحليل الوضع في اليونان وفي أوروبا لأننا مع الأسف أو من حسن الحظ مرتبطون جدليا وواقعيا بالاقتصاد الأوروبي توريدا وتصديرا فكل هيمنة غربية على أمتنا بدأت بالاقتصاد وانطلقت من مديونيتنا منذ احتلال الجزائر سنة 1830 الى احتلال تونس سنة1881 ثم الانتشار الاستخرابي في كل أوطان الأمة تحت شعار عجزنا عن تسديد ديوننا وبحجة تمديننا كأننا قبائل الماو ماو في حين أننا أمة عريقة لها أمجادها وهي التي تتلمذ عليها الغرب في العلوم و التسامح الديني والطب والفلك والجغرافيا وفلسفة التاريخ ! بل لماذا لا نستلهم من هذا الزعيم الشاب (40 سنة) رئيس حكومة اليونان لنحاول التعامل مع الغرب على أساس الندية وباعتبارنا شركاء في صناعة المستقبل؟ فاعتبروا يا أولي الألباب وتذكروا أن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. صدق الله العظيم.

إلى الأعلى