الإثنين 29 مايو 2017 م - ٢ رمضان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / الحكمة هبة إلهية

الحكمة هبة إلهية

الحكمة قيمة عظيمة من قيم الإسلام، وكل قيم الإسلام عظيمة، إذ كل قيمة تشكل جانبًا من جوانب الحياة، ورافدًا من روافدها؛ لتتكامل المنظومة القيمة، فتكون الحياة كما أراد الله تعالى لها أن تكون؛ تكون حياةً آمنة كريمة سعيدة، وتكون الإنسانية على أفضل حال، وأحسن واقع، ويكون الإنسان أهلاً للخلافة في الأرض، وأهلاً لحمل الأمانة. والحكمة ليست بضاعة تعرض في المحلات والأسواق، وليست سلعة تبتاع وتشترى، وإنما هي منة وهبة من الله تعالى يختص بها من شاء من عباده’، ومن أوتي الحكمة فقد أوتي خيرًا كثيرًا، يقول الله تعالى: { يؤتي الحكمة من يشاء وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ} البقرة الآية”269″.
الحكمة خير لا تأتي إلا بخير، فالحكمة خيرها عميم، ونفعها كثير، فهي ضرورية لا يستغنى عنها في الحياة، ومطلب مهم لما لها من فوائد جمة، ومنافع مهمة للفرد والمجتمع والأمة، فالناس جميعًا بحاجة إلى الحكمة، كل إنسان بحاجة إلى الحكمة؛ إذا سألت فاسأل حكيمًا، وإذا قصدت فاقصد حكيمًا، وإذا استشرت فاستشر حكيمًا. لذا فهناك في العالم في بعض الدول وفي بعض المنظمات ما يُعرف بلجنة الحكماء، أو مجلس الحكماء، وظيفتهم ومهمتهم تقديم الرأي والمشورة.
ورد لفظ الحكمة في القرآن الكريم عشرين مرة، ورد بصيغة المعرفة ثماني عشرة مرة، وورد بصيغة النكرة مرتين. والحكيم اسم من أسماء الله الحسنى، وقد ورد هذا الاسم في القرآن الكريم أكثر من تسعين مرة وجاء مقرونًا باسم العزيز وباسم العليم في أغلب الآيات من ذلك قوله تعالى: { فإن زللتم من بعد ذلك فاعلموا أن الله عزيز حكيم} وقوله: { هو الخالق الباري المصور له الأسماء الحسنى يسبح له ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم} ، وقال عن النبي صلى الله عليه وسلم: { هو الذي بعث في الأميين رسولاً منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبله لفي ضلال مبين} وقال: { وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة وعلمك لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيمًا} النساء 112. وقال الله تعالى عن القرآن الكريم { يس* والقرآن الحكيم* إنك لمن المرسلين* على صراط مستقيم* تنزيل العزيز الرحيم} } وقال: { تلك آيات الكتاب الحكيم} وقال: { كناب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير}.
لقد ذكر العلماء عدة تعريفات للحكمة كل منهم نظر إليها من زاوية ومن خلال تلك الزاوية كان تعريفه للحكمة، ويخلص من تلك التعريفات أن الحكمة معناها وضع الشيء في موضعه بعلم وإتقان واعتدال والروية، من هنا يسمى الطبيب حكيمًا؛ لأنه يصف الدواء المناسب، وبالمقدار المناسب. وبالكيفية المناسبة، فالحكمة هي البدر الذي يضئ الدرب للسالكين، وهي القائد الذي يقود الركب إلى بر الأمان، وشاطئ السلامة والسعادة والسلام. الحكمة هي ضالة المؤمن أنى يجدها فهو أولى وأحق بها، فأولو الألباب وهم أصحاب العقول الراجحة، والرؤى الواضحة، هم أهل الحكمة وأصحابها، وهم طلابها ومريدوها، والإنسان الحكيم هو من ينظر إلى الأمور بعين بصيرته، لا بعين ببصره، ويقدر الأشياء بعقله وفكره، لا بعاطفته ووجدانه، الحكيم هو الذي يقدر الأشياء حق التقدير، ويزنها بميزان الأناة والتروي، لا بمؤثر الانفعال والتعجل، الحكيم هو الذي ينظر إلى عواقب الأمور ونتائجها، وآثارها المباشرة وغير المباشرة القريبة والبعيدة، الحكيم هو الذي يعلم كيف يخرج من الأشياء قبل أن يدخل فيها، ويعلم سبيل الخلاص من الأمور قبل الإقدام عليها، الحكيم هو الذي يقدم المصلحة العليا على كل مصلحة، ويقدم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة، ويقدم الواجب على التطوع، ويقدم الكل على الجزء، ويقدم درء المفسدة على جلب المصلحة. وإن كان هناك ضرران قدم أخفهما، وإذا تساوى أمران قدم أيسرهما. فالحكيم صاحب فكر متزن، وبصيرة وقادة، ونظرة صائبة. ورؤية بعيدة.
مجالات الحكمة كثيرة فالإنسان بحاجة إلى الحكمة في كل شيء، ومع كل إنسان؛ فكل واحد منا بحاجة إلى الحكمة في إدارة شؤون حياته؛ في إدارة أسرته، وفي إدارة وقته، وفي إدارة ماله، وبحاجة إلى الحكمة مع كل الناس، مع والديه وإخوته. مع زوجه وأبنائه. مع أسرته وجيرانه. مع أقاربه وأصدقائه. مع زملائه ومجتمعه، ومن مجالات الحكمة المهمة الحكمة في الدعوة إلى الله تعالى، يقول تعالى: { ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [النحل: 125] ومن مستلزمات الحكمة في الدعوة اختيار الموضوع المناسب، فلكل مناسبة حيث، ولكل مقام مقال، وكذلك البعد عن الإطالة والإطناب في الدعوة، وتجنب الشدة والغلظة والتجريح في العبارة يقول صلى الله عليه وسلم: ” يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا”، ومن مستلزمات الحكمة في الدعوة الرفق واللين، وإنزال الناس منازلهم، ومراعاة أحوالهم وظروفهم، ومخاطبتهم على قدر عقولهم وعلمهم وفهمهم وثقافتهم؛ فالناس متفاوتون في المستويات التعليمية الاجتماعية والفكرية وغيرها؛ فمنهم العالم، ومنهم الجاهل، ومنهم المسؤول، ومنهم الكبير، ومنهم الصغير، ومنهم الذكر، ومنهم الأنثى، فلابد من مراعاة هذه الأمور عند دعوة الناس، ومن مجالات الحكمة الحكمة في الإدارة فيجب أن يعي المسؤول أن العاملين تحت إدارته هم بشر لهم مشاعر يجب أن تراعى، ولهم ظروف يجب أن تقدر، ولهم حقوق يجب أن تؤدى، فلا إهانة لهم ولا تعالي عليهم، فعلى المسؤول أن يعامل موظفيه معاملة إنسانية كريمة، ويجعل لهم موضع محبة وإعزاز واحترام وتقير وتكريم، وهذا لا يتعارض، ولا يتنافى مع توجيه أو محاسبة من قصر في عمله، وأخل بوظيفته، فعلى الموظف أو العامل أن يؤدي ما عليه من واجبات على أكمل وجه، وفي الوقت ذاته هو يستحق كامل حقوقه المعنوية والمادية، ومن مجالات الحكمة الحكمة في الزيارة بحيث تكون في الوقت المناسب، وفي المكان المناسب، وبالقدر المناسب .

يوسف بن ابراهيم السرحني

إلى الأعلى