الخميس 19 أكتوبر 2017 م - ٢٨ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / تكـريـم الله للإنسان 27

تكـريـم الله للإنسان 27

الحمـد لله رب العـالمـين ، والصـلاة والسلام عـلى سـيـد الخـلـق أجـمعـين ، وعـلى آله وصحـبه ومـن تـبعـهـم بإحـسان إلى يـوم الـدين وبعــد :
فــلا زال الحـديـث عـن مـواقـف العـلماء العـامـلين مـن الأمـراء ، ومـع القاضي شـريـك والنـصـراني : دخـل القاضي شــريـك داره وأخـرج ســوطـه ، وأخـذ بـمـجـامع ثـوب النصـراني وقال للـرجـل المـظـلـوم : انصـرف إلى أهـلـك ثـم أخـذ يضـرب النصـراني ويقـول : والله لا أدعـك تضرب المسلمـين أبـدا .
حـاول خـدم الأمـير أن يخـلـصـوا الـنصراني ، فـقال القاضي شـريـك مـن هـنا مـن فـتـيان الحي ، يـذهـب بـهـؤلاء إلى الحـبـس ، فـهـب الشـباب لـيأخـذوهـــم إلى الحـبس فـهـربـوا ، وضـرب القاضي النصـراني حـتى اكـتـفى والـنـصراني يـبكي أشـد البـكاء ، وعـنـد ما تـركه القاضي شـريـك ذهـب إلى الأمـير عـيسى بن مـوسى شاكيا بالقاضي شـريـك ، فـقال له : إنـني لا أتعـرض للقاضي شـريك ، فـلم يجـد النصـراني إلا أن يـترك الكـوفـة ويهـرب إلى بغـداد ، أين نحـن الـيـوم مـن تلك المـواقـف ، فالحـق يـعـلـو ولا يـعـلى عـليه ، والحـق مـن كان حـتما يـقـبـل .
روي أن الحـجاج بن يـوسـف الثـقـفي بـنى دارا بـواسـط ، وأحـضـر الحـسن البـصـري لـيراهـا ، فـلمـا دخـلها قال : الحمد لله إن المـلـوك لـيرون لأنفـسهـم عـزا وإنا لـنـرى فـيـهـم كل يـوم عــبرا ، يـعـمـد أحـدهـم إلى قـصـر فـيشـيـده وإلى فـراش فـينجـده ، وإلى مـلابـس ومـراكـب فـيحـسنها ، ثـم يحـف به ذباب طـمـع وفـراش نـار وأصحـاب سـوء ، فــيـقـول : أنـظـروا ما صـنعــت ؟ .
فـقـد رأيـنا أيها المغــرور ، فـكان ما ذا يا أفـسـق الفاسـقـين؟، أما أهـل السـموات فـقـد مقـتـوك ، وأما أهـل الأرض فـقـد لعـنـوك ، بنـيـت دار الـفـناء وخـربـت دار الـبـقـاء وغــررت في دار الغــرور يا مـغــرور ، لـتـذل في دار الحـبـور ، ثـم خـرج وهـو يـقـول إن الله سـبحانه وتعـالى أخـذ عـهـده عـلى الـعـلـماء ، ليبـيننه للناس ولا يكـتمـونه ، وبـلـغ الحـجاج ما قال الحـسن البصـري ، فأشـتـد غـضـبه وجـمع أهـل الشـام ، فـقـال يا أهـل الـشـام : أيشـتـمني عـبـد مـن عـبـيـد أهـل الـبـصـرة وأنتـم حـضـور فـلا تنـكـرون ؟ .
ثـم أمـر بإحـضاره ، فـجـاء الحـسـن البـصـري ، وهـو يحـرك شــفـتـيه بما لـم يـسمـع حتى دخـل عـلى الحـجاج ، فـقال : يا أبا سـعـيـد أما كان لإمـارتي عـليـك حـق حـين قـلـت ما قـلـت .
فـقال الحـسن البصـري : يـرحـمـك الله أيها الأمـير ، إن مـن خـوفــك حـتى تـبلـغ أمـنـك أرفـق بـك وأحـب فـيـك ، مـن أمـنـك حتى تـبلـغ الخـوف ، وما أردت الـذي سـبـق إلى وهـمـك ، والأمـران بـيـدك العـفـو والعـقـوبة ، فأفـعـل الأولى بـك وعـلى الله فـتـوكلت وهـو حـسبنا ونعـم الـوكـيل فاسـحـيا مـنه ، وأعـتـذر إلـيه وأكـرمـه وحـياه .
وفي رواية أخـرى فـلـما دخـل الحـسن البصري عـلى الحـجاج بن يوسـف ، قال له الحـجاج : ها هـنا يا أبا سـعـيـد ، فأجـلسه قـريبا مـنه ، وقال : ما تـقـول في عـلي وعـثمان ، قال : أقـول قـول مـن هـو خـير مـني عـنـد مـن هـو شـر مـنـك قال فـرعـون لمـوسـى : { قال فـما بال القـرون الأولى . قـال : عـلمها عـنـد ربي في كـتاب لا يضـل ربي ولا ينـسى } طـه 51/ 52 .
فـيحـكى أن الحـجاج بن يـوسـف الثـقـفي ، لما سـأل الحـسن البصـري عـن عـلي ابن أبي طالب وعـثمان بن عـفـان ، فــرد عـليه بقـوله تـعـالى : { قال : فـما بال القـرون الأولى ، قال عـلمها عـنـد ربي في كتاب لا يضـل ربي ولا ينسى } طـه 51 / 52 .
ثـم قال : فـعـلم عـلي وعـثـمان عـنـد الله ، قال : أنت سـيـد العــلماء يا أبا سـعـيـد ودعـا بـغـاـلـية وغـلـف بها لحـيته ، فـلما خـرج تـبعـه الحاجـب فـقال له : ما الـذي كـنت قـلـت حـين دخـلـت عـلي الحـجـاج ؟ . قال قـلـت : يا عــدتي عـنـد كـربـتي و يا صاحـبي عـنـد شـدتي ، ويا ولي نعـمتي ، ويا إلهـي وإله آبائي إبـراهـيم وإسـحـاق ويـعـقـوب ، ارزقـني مـودته واصـرف عـني أذاه ، فـفـعــل ربي عـز وجـل . إن الله يــدافـع عـن الـذين آمـنـوا .
إن عــزة العـلماء تتـمـثــل في العـمـل بالعـلـم ، والعـفة والأمـر بالمعـروف والنهـي عـن المنـكـر، وقـد فـضلهـم الله عـلى سـائـر الناس ، فـضـلهـم الـذي لا تخـفى عـليه خافـية ، في الأرض ولا في السماء ، العـالم بـكل بالأسـرار، وجـعـل الناس معـادن ، أكـرمهـم عـنـده أتقـاهـم إلـيه .
فـيـقـول الشاعـر الحكـيـم :
أتهـزأ بالـدعاء وتـزدريه وما يـدريـك ما فـعـل الـدعاء
سهام اللـيـل نافـذة ولكـن إلى أجـل وللأجـل انتهــــــاء

لقـد ألبس الله العـلـماء ثـوب المهابة والتـواضـع ، لـيكـونـوا قــدوة يقـتـدى بـهـم ذلـك لأن الـعـلـماء هــم ورثـة الأنـبـيـاء لا غـيرهـم ، وهـم أعـلـم بحـق الله عـلى الناس ولـذلـك أرشـد الله إلـيهـم بقـوله ، فـسألـوا أهـل الـذكـر إن كـنـتـم لا تعـلـمـون ومما يـروى عـن سـيـد التابعـين ، ذلـك العـالـم الـورع ، الـذي عـرف الحـق فاتبـعه وعـلـم الباطـل فاجـتـنبه : ذلـكـم العـالم هـو سـعـيـد بن المسيـب المخـزومي القـرشي ، أحـد فـقهاء المدينة السـبعـة ، والمعـدود بسـيـد التابعـين ، وقـد جـمـع بين الحـديث والفـقه مـن ناحـية ، والـزهـد والعـبادة والـورع من ناحـيـة ثانية .
خطـب عـبـد المـلـك بن مـروان ( وهـو خـليـفة ) ابنة سـعـيد بن المسيب لابنه الـولـيـد بن عـبـد المـلك الـذي خـصه بـولاية العـهـد ، فـرفـض سـعـيـد بن المسـيب أن يـزوج ابنته للـوليـد لأنه كان متمسكا بالحـديـث الشريف : ( إذا جـاءكم مـن تـرضـون دينه وخـلـقـه فــزوجـوه ..) وهـو لا يرضى دين الـوليـد ولا خـلـقـه حـتى يـزوجـه ابنته .
كتب هـشام بن إسماعـيـل والي المـدينة إلى عـبـد الملـك بن مـروان : إن أهــل المـدينة أطـبـقـوا عـلى البـيـعـة للـولـيـد وسـليمان كـولي عـهـد إلا سـعـيـد بن المسيـب لأن رسـول الله صلى الله عـليه وسلم نهى عـن بيـعـتـين .
كـتـب عـبـد الملـك بن مـروان إلى الـوالي هـشام ، أعـرضه عـلى السـيـف فإن أبى فاجـلـده ، وطـف به أسـواق المـدينة واعـلم أهـل المدينة بـذلـك .
ذهـب عـروة بن الـزبـير ، وسـلـيـمان بن يسار ، وسالم بن عـبـد الله بن عـمـر إلى سـعـيـد بن المسيب وقـالـوا له : لـقـد قـدم كـتـاب مـن عـبـد الملـك بن مـروان إن لم تـبايـع ضـربـت عـنـقـك ، ونحـن نعـرض عـلـيـك خـصـالا ثـلاثـا فـخـذ بـأ يهـن شـئـت قـال : ما هـن ؟ .
قـالـوا : إن الـوالي يقـبـل مـنـك أن يقـرأ عـلـيـك الكـتاب فـلا تـقـول : نعـم ولا تـقـول لا . قال إذن : يقـول الـناس بايـع سـعـيد بن المسيب ، ما أنا بـفـاعـل . قـالـوا : فـتجـلـس في بيتـك ولا تخـرج إلى المسجـد أياما ، فإن طـلبـك في مجـلسك في المسجـد ولم يجـدك قـال : فإنا أسـمع الأذان : حي عـلى الصـلاة ، حي عـلى الصـلاة ولا أجـيب ما أنا بفـاعــل ، قـالـوا : فانـتـقـل مـن مجـلسـك إلى غـيره فإنه إذا أرسـل إلى مجـلسك فـلم يجـدك أمـسـك .
وإلى أن نلـتـقي في لـقـاء آخـر أستـودعـكـم الله والسـلام عـليكـم ورحمة الله وبـركاته .

ناصر بن محمد الزيدي

إلى الأعلى