الإثنين 11 ديسمبر 2017 م - ٢٢ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / المحليات / العلاقة بين الرعاية اللاحقة للأحداث والعودة للجريمة !!

العلاقة بين الرعاية اللاحقة للأحداث والعودة للجريمة !!

ـ مدير عام الرعاية الاجتماعية : قريباً .. بدء برنامج لمساعدة الأحداث على التكيف مع الأسرة والمجتمع

ـ مديرة إدارة قضايا الأحداث بالادعاء العام : حفظ قضية لأي حدث يرتكب جريمة لأول مرة لمحاولة الإصلاح وتقليل الاحتكاك مع أقرانه بالسجون

ـ 77 قضية خلال الربع الأول من 2015 ومقارنة إحصائيات 2013 و2014 تكشف انخفاض نسبة الجريمة والعودة لها

ـ الحدث مهما ارتكب من جرائم عدة ومهما كانت نوعية الجرائم فهي لا تعتبر سابقة

ـ أخصائي اجتماعي : في الغالب من يرتكبون جرائم يعانون من وضع اجتماعي مضطرب ويعيشون وسط أسرة مفككة غير مستقرة

ـ أخصائية نفسية : قلة الأماكن الترفيهية وغياب الوعي الكافي بالتربية لهما دور كبير في تكوين شخصية الجانحين

ـ بيوت التعافي نموذج للرعاية اللاحقة للمتعافين من الإدمان والمفرج عنهم من السجون

تحقيق ـ جميلة الجهورية :
لم يكن خبر إلقاء القبض على (م) خبرا جديدا على الأسرة التي اعتادت على مشاكل أبنائها الذي فيهم من يتعاطى المخدرات وفيهم من امتهن السطو على المنازل والسرقة ، وتعاطي المسكرات ، واختلاق المشاكل والمشاجرات مع شباب الحارة أو العابرين إلا أن المدهش دخولهم وقضاء محكومياتهم والعودة للجريمة مرة أخري ، والأغرب الذي كان يثير تساؤلات الكثيرين : لماذا هم خارج المؤسسة العقابية حينما لا يزالون يشكلون خطرا على ذويهم والمجتمع ، ويراها المجتمع من وجهة نظره لا تسوية فيها ولا “واسطة” ولا يمكن إعطاء الفرص مرة أخرى خاصة مع السجل الذي لا ينتهي من المشاكل.
وحالات تجاوزت الآن سن الأحدث أشارت إلى الظروف الأسرية التي لعبت دورا في تشكيل مسارهم الإجرامي منذ سن الطفولة والبيئة المحيطة التي لعبت تغذيتها نتيجة العنف المدرسي ونتيجة رفقاء السوء ونتيجة الأيدي العاملة الوافدة ، ونتيجة لغياب فرص الإصلاح المؤسسي أضف إلى ذلك الوصم الاجتماعي الذي لا يزال يلاحقهم بعبئه الاجتماعي والاقتصادي.
وهنا نتساءل : لماذا يعـود المجـرم إلى الجريمـة مـرة ثانيـة وثالثة ، ما الظرف التي تدفعه للعودة ، هل هي قضية تربوية أم سلوكية أم تأهيلية ، ومن المسئول عن عودته إلى بيئة الجريمة والمؤسسات العقابية ؟ وما الإشكاليات التي يقع فيها هؤلاء المفرج عنهم في المجتمع على مستوى التصادم مع الحقوق والواجبات والحياة الاجتماعية بشكل عام “من وظيفة وامتيازات وتقبل اجتماعي “وأبعاد أخرى بسبب الوصم الاجتماعي؟ وعندما يكون الإصلاح والتأهيل عناصر مهمة لتقويم هؤلاء ، لنتساءل عن البرامج التأهيلية والإصلاحيـة ودورها في تجـاوز هـذه الإشكاليــة والحـد مـن العودة للجريمة ودمج المفرج عنهم في المجتمع ؟
حول هذا الموضوع “الوطن” تعرفت على جوانب تتعلق بالتدرج العقابي للأحداث وأهم برامج الرعاية الإصلاحية والتأهيلية مع بعض المختصين في مؤسسات الضبط والرعاية ؟! لتبقى الرعاية اللاحقة للمفرج عنهم سواء الأحداث أو الراشدين منهم مبهمة؟!.
أسباب العودة للجريمة
عن أسباب العودة للجريمة لأكثر من مرة وظروفها بالنسبة للأحداث يقول الشيخ الدكتور حمود بن أحمد اليحيائي مدير عام الرعاية الاجتماعية بوزارة التنمية الاجتماعية : تشكل حالات العود بالنسبة للأحداث المفرج عنهم والذين تقل أعمارهم عن 18 سنة نسبة قليلة جداً ، وغالباً ما يكون سببها الظروف التي تسببت في جنوح الحدث سابقاً ، وهي البيئة الطبيعية للحدث والتي سيعود إليها بعد الإفراج ، كالظروف الاجتماعية للأسرة أو الاقتصادية أو غيرها، لذلك غالباً ما تكون المؤسسات العقابية والإصلاحية غير مسئولة عن حالات العود ، إلا أنه يتطلب بذل المزيد من الجهد في برامج الإصلاح والتأهيل وبرامج الرعاية اللاحقة للمفرج عنه لتجنب عودته للجرم، وذلك عن طريق تحسين الظروف التي ساعدت على انحرافه سابقاً ولكن بالتكاتف بين جميع الجهات المعنية بخدمة المجتمع ويرى أن إعداد برامج توجيهية مكثفة لهم خلال فترة إيداعهم المحكوم بها ، والتركيز على برامج الرعاية اللاحقة عند الإفراج عنهم ، ومحاولة تغيير الظروف والأوضاع التي تسببت لحالة العود ، قد تساعد في تقليل احتمالات العودة إلى بيئة الجريمة.
وحول الإشكاليات التي يقع فيها المفرج عنهم من تصادم مع المجتمع والوصم الاجتماعي يشير إلى أنهم يواجهون بالنفور وقلة التقبل والترحيب من جانب المجتمع ، حيث ينظر إليه أفراده باعتباره مجرماً سابقاً فيتجنبونه ويرفضون تقبله بينهم ، فتغلق سبل العمل أمامه وكذلك الدراسة والتدريب المهني ، فتهضم أغلب حقوقه المقررة ، فتختل بذلك علاقاته العائلية وبباقي أفراد المجتمع بشكل عام ، ويتولد لديه العداء الاجتماعي الذي قد يدفعه إلى ارتكاب الجريمة مرةً أخرى وبالتالي يستوجب تبني برامج اجتماعية ونفسيه تساعد مثل هذه الحالات على التكيف.
ويضيف الشيخ الدكتور حمود اليحيائي : فيما يتعلق ببرامج الإصلاح والتأهيل وخدمات الرعاية ومسؤولية تقديمها أنه بالنسبة للأحداث تقدم لهم في دور الاصلاح والتوجيه خدمات الغذاء والكساء والمسكن وخدمات ترفيهية وتثقيفية وصحية وتعليمية وتدريبية ورياضية بالإضافة إلى تقديم الدعم النفسي وإعداد الخطط والبرامج الكفيلة بإعادة اندماجهم في المجتمع ، وكذلك الخدمات الاجتماعية والاقتصادية المختلفة.
كما يتم تقديم هذه الخدمات من قبل العاملين في دور الإصلاح والتوجيه التابعة لدائرة شؤون الأحداث بوزارة التنمية الاجتماعية وتتبنى الوزارة بالتعاون مع الشركاء حالياً برنامج سيساعد هذه الحالات على التكيف في الأسرة والمجتمع، ونأمل أن يبدأ قريباً.
وعن مراحل الإصلاح ومن أين تبدأ وأين تنتهي ومظاهرها يقول : الإفراج عنهم من خلال برامج الرعاية اللاحقة ، وتتم هذه البرامج من خلال برامج الإصلاح والتأهيل بالرعاية الدينية والرعاية الاجتماعية وتنظيم جلسات مع الأخصائيين الاجتماعيين والنفسيين ودورات تدريبية ومحاضرات في التوجيه والإرشاد الاجتماعي كما توفر لهم الرعاية الصحية المتكاملة بالتنسيق مع الجهات المختصة ، والتعليم الأكاديمي بالتنسيق مع وزارة التربية والتعليم ، وبرامج التدريب المهني خـلال فـترة إيداعهـم أو بعـد الإفراج عنهم بالتنسيق مع الجهات والمؤسسات المختصة ، وكذلك البرامج الرياضية المختلفـة.
وأكد أنه كان لهذه البرامج الأثر الكبير على الأحداث ، حيث يوجد حالات شقت طريقها نحو النجاح ، فمنهم من أكمل دراسته بتفوق ، ومنهم من التحق بالعمل أو التدريب المهني ، وكما تم ذكره سابقاً تم تسجيل أعداد بسيطة جداً لحالات العودة للأشخاص الذين لم تتغير أسباب جنوحهم السابقة.
إحصائيات وأرقام
وعلى مستوى التعامل مع جرائم الأحداث والضبطية القانونية استعرضت خولة بنت محمد الخاطرية رئيس الادعاء مديرة إدارة قضايا الأحداث إحصائية بعدد المتهمين الأحداث لعامي 2013 و2014م والفارق بين العامين وأشارت إلى أن مجموع المتهمين الأحداث خلال 2013م بلغوا (1283) منهم (1086) عمانيا ، في حين بلغ عدد المتهمين الأحداث خلال عام 2014م (1075) متهما ومتهمة من العمانيين والأجانب.
كما أن آخر إحصائيات الربع الأول لعام 2015م حتى آخر شهر مايو توجد (77 قضية منها ثلاث حالات معرضة للجنوح ، مؤكدة أنه لا توجد في السلطنة ظاهرة دعارة الأطفال ، ولا توجد ظاهرة بيع الأطفال والاتجار بهم.
فيما تسجل جرائم الأحداث في 2014 م تفاوتات رقمية في نوعية الجرائم مقارنة مع جرائم 2013م فيما تبقى جرائم السرقة العادية تسجل أعلى معدلات الجرائم حيث بلغ مجموع المتهمين من الأحداث 195 ، تليها الإيذاء البسيط وبلغ مجموع المتهمين 135، ثم إهانة الكرامة وبلغ عدد المتهمين 95 حدثا ، تعقبها السرقة الموصوفة ومجموع المتهمين 77 حدثا ، فيما تأتي المخالفات المرورية ومجموع المتهمين 67 حدثا ، فيما بلغ عدد المتهمين في جرائم التخريب 65 والمتهمين في جرائم هتك العرض بلغ عددهم 38 حدثا ، في حين بلغ عدد المتهمين بدخول البلاد بطريقة غير مشروعة 37 متهما ، لتسجل بعدها جرائم المخدرات 35 متهما فيها ، ثم مخالفة قانون الاتصالات والذي يسجل 34 حالة من المتهمين الأحداث.
لنستعرض عبرها 10 جرائم تقدمت قائمة إحصائيات المتهمين الأحداث في الجرائم والتي تضم في قائمتها 69 جريمة مختلفة بلغ مجموع المتهمين فيها 1075 متهما ومتهمة من العمانيين والأجانب ذكورا وإناثا لجميع محافظات السلطنة.
وحول المشاكل المحيطة بالأحداث وجرائم العودة لظروف الجريمة قالت خولة الخاطرية : إن الأحداث لا يجدون البيئة الملائمة لهم وكثير من الحالات ناتجة بسبب انفصال الزوجين أو غياب أحدهم ، أو نتيجة الفقر أو البذخ الفاحش والتدليل ، حيث إن هذه الحالات كثير منها تقف وراء جنوح الأحداث ، ناهيك عن رفقاء السوء الذين يلعبون دورا في جنوح الحدث الذي لا يجد الرعاية في منزله ويبحث عن الاهتمام خارج البيت.
وبالنسبة للتردد على نوعية الجريمة والعودة لظروفها ؟! تقول الخاطرية : لعل مع دخول الحدث للسجن لأول فرصة في أن يتعلم من أقرانه الموجودين في السجن ، ليتعلم كيف يمكن أن يطور هذه المهارات الموجودة عنده ، وهنا قد يكون لديه نشاط معين ويرغب في إبرازه ، ويحظى بالاهتمام من عناصر أخرى من خارج السجن ، فيرتكب هذه الجريمة وبطريقة أفضل ويحصل على مهارات أكبر ويحصل على ضوئها مردودا ماديا أو مكافأة ، وقد يكون نشاطه أكبر وأجمل من وجهة نظره ونظر أقرانه ، لدرجة أنه عندما يتم القبض عليه ويأتي لأول مرة يرتقي لجريمة عادية جدا ولكن فيما بعد تتطور إلى جناية ، أو يأتي يتعاطى ، ويتطور بعدها إلى تجارة ، وذلك لانجذابهم للجريمة بسبب المادة ، وعليه فإنه يمكن أن يستقي هذه الخبرات وتتطور من السجون والأقران ، وفي هذه الحالة مسؤولية من تكون في تلقي ونقل وتبادل هذه الخبرات في السجون إذا كانت مرجعيته لتغذية الجريمة.
وقالت خولة الخاطرية : لذلك اتبع سعادة حسين بن علي الهلالي المدعي العام في ظل ذلك مبدأ التقليل من الجريمة وإعطاء المتهم فرصة للعودة عنها ، وهذا المبدأ ساهم في خفض عدد كبير من الجرائم ولو عدنا إلى إحصائيات 2014م سنجد أن الأرقام قلت عن 2013م.
وعند السؤال لماذا ؟ وما السبب ؟! حيث إن سعادته لاحظ أنه كلما تم إدخال المساجين المتهمين إلى السجن زادت نسبة الجريمة ووسائل الجريمة تتعدد أكثر وأكثر ، لذلك وجه سعادته أن أي شخص ارتكب جريمة لأول مرة وبها تسوية وتنازل يتم حفظها ، ولاحظنا بالفعل مع هذا الإجراء قلة الجريمة وقلت فرص الاحتكاك بأقران الجريمة في السجون ، كما لم يعد المتهم للجريمة مرة ثانية.
وحول ما يعتمل السجون من تلاقح للخبرات ، قالت في جميع السجون في العالم لا توجد مدينة فاضلة ، فمعظم المؤتمرات تكشف عن إحصائيات كبيرة تتجاوز إحصائياتنا للعودة للجريمة ، حتى على مستوى الرعاية اكتشفنا أن لدينا أساسيات على أكثر من مستوى ، لكن يبقى لا المؤسسات العقابية تعلمهم وتنشئهم ولا الرعايات البديلة التي يتم توفيرها تعلمهم ويبقى الرجوع الأول والأخير للأسرة ، لذلك فالأسرة هي السبب الرئيسي لارتكاب الجريمة وهي من يمكنها مساعدة أبنائها على عدم العودة للجريمة ، وأشارت إلى أنهم بصدد تحديث بياناتهم القضائية والعقابية والصحية والتعليمية والاجتماعية ورفعها كتقرير للتنمية الاجتماعية ، والتي لاحظوا أن المؤشرات جيدة وإحصائيات الجريمة أقل من السابق.
ضمانات الحدث
وعن الأمور التي يراعيها الادعاء أثناء التحقيق مع الأحداث تقول خولة بنت محمد الخاطرية رئيس الادعاء مديرة إدارة قضايا الأحداث : قانون مساءلة الأحداث أعطى ضمانات للحدث من ناحية أنه لا يمكن التحقيق مع الحدث إلا بحضور ولي أمره وتعيين محام ، وبحضور موظف من وزارة التنمية الاجتماعية لإعداد دراسة حالة حدث ، ونحن لا نحيل أي قضية إلا بعدما يتم إنجاز دراسة للحدث لتوضيح أسباب ارتكاب الجريمة ، وهذه جميعها ضمانات للحدث ، غير عن سرية المحاكمات ، كما لا يتم إحالة الملف مباشرة للمحكمة ، قبل أن يتم جمع الأسر والأطراف والاستماع لهم ، والإنصات للحدث لمعرفة دوافع جريمته ، والتي جميعها عبارة عن شكاوى تعبر عن تقصير الأسرة في الرعاية وتوفير متطلبات الحياة وإهمال ناتج عن عوز اجتماعي أو ترف وانشغال بالسفر والعمل ، بسبب حالات انفصال الأسرة وغياب أحد أفرادها، لنقوم بعدها بجمع هذه الأسباب وعرضها على الأهل ومواجهتهم بالأقوال ، وتوجيههم ونصحهم ، وهناك من الأسر من تتفهم وتتعاون معنا ومنهم للأسف الشديد يجد أن هذا الكلام لا جدوى منه وأن الحدث لا أمل منه.
وعن سياستهم مع الحدث الذي يعود للجريمة مرة أخرى تقول خولة الخاطرية : نشد قليلا عليه بعد إجراء دراسة حالة عليه ومعرفة سبب المشكلة وخيارات العلاج والعقاب مع وزارة التنمية الاجتماعية، وبحث ظروف المشكلة إذا كانت على سبيل المثال متعلقة بالتعليم والمدرسة ، حيث إن بعض مشاكل الأحداث تتكرر في المدارس ، وتتدخل فيها عدة جهات لمساعدة الحدث على مواصلة التعليم ، إلا أن بعضهم للأسف يعود من جديد لمشاكل أكبر من السابق.
وتشير إلى أن الحدث مهما ارتكب من جرائم لعدة مرات ومهما كانت نوعية الجرائم من سن تسع سنوات حتى 18 سنة فهي لا تعتبر إسباقيات ، وإذا جاء بعد 19 سنة يرغب في التوظيف، يتم مخاطبة الجهات الحكومية إلى ما يشير له قانون الأحداث والتي على ضوئها يتم توظيفه دون عرقلته ، وتفيد أن هناك جهات متجاوبة ومتعاونة ، وجهات لها اعتباراتها وخصوصيتها التي تتخوف من هذا الإجراء.
وتقول : بعد هذا التدرج مع الحدث يحال للمحكمة وهناك لدينا معرضون للجنوح من الناحية القانونية ولدينا الأحداث الجانحون ، بمعنى معرض للجنوح ، وهو في يوم من الأيام معرض أن يرتكب جريمة ، وهو حدث لم يرتكب جريمة ولكنه في بيئة تسمح له بارتكاب الجريمة وهي خمس حالات ، إذا ارتكبها يكون معرضا للجنوح ، حيث يأتي ولي الأمر إلى الادعاء ، ويكتب رسالة شكوى مفادها أرجو اتخاذ الإجراءات القانونية ضد ولدي ، وهنا يتم الاتفاق مع قاضي الأحداث لعرض هذا الطفل عليه وبحضور ولي أمره وتقرير من الباحث الاجتماعي ، وإرفاق ملفه من الادعاء ، والمحكمة تحاول أن تتعرف على الأسباب التي تدفع بالحدث بالمروق عن سلطة والديه ، وبالمحاورة على سبيل المثال مع الطفل والوصول لطريق مسدود معه فإنه مباشرة يعمل له قرار قضائي بإيداع الطفل الحدث إلى دار التوجيه التابع لوزارة التنمية الاجتماعية ، ويبقى تقريبا فيها 6 أشهر ، وكل شهر يلزم المراقب الاجتماعي بدراسة حالة الحدث ، حتى يرى أن هذا الحدث قد استجاب للبرامج المنفذة في الدار ومباشرة يتم الإفراج عنه.
وتضيف : أما الحالة الثانية الأحداث الجانحون وهم الذين ارتكبوا جريمة ، سواء ارتكبوا جنحة أو جناية أو مخالفة ، وهؤلاء مباشرة يتم عمل لهم قرار إحالة للمحكمة ، والمحاكمة تكون سرية ، وبوجود عضو الادعاء العام المختص ويكون القاضي المختص ومحامي الطفل وولي أمره والمراقب الاجتماعي ، فيحكم لهم القاضي 6 أشهر في دار الإصلاح وهو تابع للشرطة ، لكن تحت إشراف وزارة التنمية الاجتماعية ، وممكن إذا كانت الجريمة بسيطة ووجد القاضي أن هناك أسبابا معينة أدت لارتكاب هذا الحدث للجريمة ، هناك بالإمكان أن يعمل له ما يسمى بالاختبار القضائي ، ويتم تسليم الحدث لولي الأمر، و يكون تحت إشراف المراقب الاجتماعي الذي يشترط على الحدث المواظبة على الصلوات الخمس في المسجد وحفظ أجزاء من القرآن الكريم ، بحيث يتفق المراقب الاجتماعي مع وزارة الأوقاف على تولي إمام المسجد في المنطقة متابعة استجابة الحدث والتزامه بالصلاة والحفظ ، أو يوكل له تنظيف المساجد ، وهذه تكون من الاختبارات القضائية.
وتشير إلى أن المحاكمات في قانون الأحداث لا يوجد حكم قضائي بالإعدام وأقصى عقوبة للحدث 10 سنوات وخلال هذه المحكوميات الحدث يدرس فيها والمراقب يهتم به ووزارة الأوقاف تراقبه من الناحية السلوكية والأخلاقية ، وهناك برامج كثيرة لهم .
وعن تأثير الرأي العام في تحقيق العدالة في بعض الجرائم التي يستنكرها المجتمع لقباحتها وصداها الجرمي تقول خولة الخاطرية : نهتم بالرأي العام لكن فوق الرأي العام هناك اتفاقيات دولية كما أننا محاسبون من لجان حقوق الإنسان والطفل ، فنحن موقعون على عدة معاهدات لا يمكن الإخلال بهذه المعاهدات والالتزامات مهما كان نوع الجريمة ، لذلك نتفهم الرأي العام ونحاول أن نمتص غضبه ، وفي الجرائم المستنكرة القاضي يغلظ العقوبة لكن غير ممكن أن يصل لعقوبة الإعدام لأنه لا النظام الأساسي ولا حقوق الإنسان ولا الطفل ولا المعاهدات الدولية تسمح بذلك.
وعن اللائحة التنفيذية لتفعيل قانون الطفل فيما يتعلق بالضبط القضائي للأحداث ، تشير إلى أنهم رفعوا مقترحاتهم والعقوبات التي يحتاج لها القانون ومن ضمنها كانت حول ولي الامر على أنها تغلظ بالنسبة له ، لأنه في بعض الأحيان تكون الجريمة نتيجة إهمال من ولي الأمر ويفترض أن يحاسب.
العوامل الاجتماعية والنفسية
وعن العوامل الاجتماعية المؤدية للعودة إلى الجريمة يقول ماجد الشبلي أخصائي اجتماعي طبي : في الغالب من يرتكبون جرائم يعانون من وضع اجتماعي مضطرب فهم يعيشون وسط أسرة مفككة غير مستقرة ، وقد يكون انحراف احد الوالدين أو المعاملة القاسية سبب رئيس في انحراف الأبناء ومن أشكال هذا الانحراف ارتكابهم الجريمة ، أضف إلى ذلك ضعف رقابة الأبوين والصحبة السيئة حيث مصاحبة شخص مجرم يساهم بصورة فاعلة في تقمص سلوك من يصاحبه ويتجلى ذلك في ارتكاب جريمة ، ناهيك عن العوامل البيولوجية التي تجعل الفرد يرتكب الجريمة ويستمر في ارتكابها وهي تتعلق بالاستعداد الوظيفي لدى الفرد حيث لديه استعداد انحرافي وعادة يطلق عليهم في الطب النفسي أفراد ضد المجتمع أو ضد القانون ، إلى جانب ضعف الوازع الديني لدى الفرد الذي دائما وأبدا سبب أولي للانحراف السلوكي ، كذلك الإحساس بالنقص والذي من أشكاله عدم حصول الابن على العطف والحنان والاهتمام من قبل الوالدين وهذه حاجة غريزية لدى الأبناء إذا لم تشبع بالصورة الطبيعية سوف تساهم في تعزيز السلوك الانحرافي كردة فعل عكسية نحو تملص الوالدين عن القيام بدورهم نحو الأبناء .
ولتجاوز المشكلة مع الحدث يؤكد الشبلي على الحاجة لإعادة تأهيل اجتماعي وديني ونفسي ومهني للحدث ، وشغل أوقات فراغهم في مجالات تعود عليهم بالنفع وتساهم في الاستفادة من قدراتهم وإمكانياتهم حتى نشغل وقت فراغهم ، وقال : إن عادة الفراغ وعدم تقبل المجتمع للشخص المجرم سبب للعودة للجريمة حيث يشعر بأنه شخص غير مرغوب فيه وبالتالي هذه النظرة تجعله ينزوي وبالتالي يعود للجريمة لذلك لابد من إعادة دمجهم في المجتمع وإلحاقهم بمؤسسات التأهيل الاجتماعي والمهني لصقل إمكانياتهم وتدريبهم على حرفة تساعده في الحصول على وظيفة وتشغله عن الانحراف السلوكي ، وكذلك بسبب طول فترة الحبس ووجود سابقة في أسرة مضطربة مفككة تجعله يفقد العديد من المهارات الأساسية وبالتالي تصبح الحاجة ملحة لإلحاقه بمؤسسة تأهيلية تتضمن جلسات اجتماعية ونفسية تجعله قادرا على مواجهة المجتمع واحتياجاته بالصورة الصحيحة.
وعن العوامل النفسية والحاجة لتقدير الذات وتقويمها تقول الأخصائية النفسية سارة الهنائية : من وجهة نظري وحسب معظم نظريات علم النفس فإن الرعاية الوالدية المتدنية وغياب اللغة الحوارية بين مقدمي الخدمة والأبناء وكذلك قلة الأماكن الترفيهية وغياب الوعي الكافي عن الأسس الهامة في التربية كل تلك العوامل بل وأكثر من ذلك أن شخصية الفرد ومفهوم الذات عن نفسه تلعب دورا كبيرا في خلق شخصية الجانحين ، ومن المؤسف ما ألاحظه في ظل التقدم والازدهار والتطور المتسارع أن الرعاية المقدمة للمفرج عنهم من المساجين والأحداث ليست كما يجب.
وعن مصير من يفرج عنهم من مخرجات الأحداث قالت سارة الهنائية : أولا يعاملون وكأنهم هم من كانوا السبب فيما ارتكبوه من إجرام ولو وقفنا قليلا وقفة تأمل لتساءلنا أيضا عن دور الأسرة ودور المجتمع ودور الجهات الحكومية في وضع ذلك الفرد في طريق الإجرام؟ وهل قام كل منا بدوره في إنقاذ هؤلاء الناس من سكة الإجرام ، لنجد أن الجواب للأسف “لا” ، بل إن الإنسان الجانح أو المجرم كما يسميه القانون يحجز في السجن ويفتقد لطرق التعامل الصحيحة والتي معها تضيع الذات الإنسانية ، بسبب طرق تعديل السلوك غير الصحيحة والتي تمارس بشكل خاطئ جدا مع أننا لو سألنا أنفسنا أليس هؤلاء بشر مثلنا ؟ أليس لهم حقوق من أهمها احترام الذات وتقدير الآخرين وما نلاحظه في مجتمعنا أننا نبتعد عن هذه الفئه ونفقد الأمل في تعديل سلوكهم بل وتعاملنا معهم يكون في قمة البشاعة ولا نساعدهم على أن نعطيهم فرصة للبحث عن ذواتهم المغيبة أو المدفونة ، ومن القصص العجيبة التي صادفتني أن جاء أحد رجال الأمن الذي يعمل مع تلك الفئة يسألنى هل صحيح أنه يمكن أن يصبح هؤلاء المجرمون أشخاصا طبيعيين ؟ أجبته بالتأكيد نعم إذا سعت الجهات الحكومية لعلاجهم وانتشالهم من بحر الإجرام ، أما فيما يخص المدمنين فقد سعت اللجنة الوطنية لشؤون المخدرات المؤثرات العقلية لتقديم خدمات متميزه تساعد المدمنين على التكيف مع الحياة ومع ذواتهم المفقودة ومن ذلك مثلا في بيوت منتصف الطريق التى تعمل بمساعدة الأفراد على التدرب للتكيف مع الحياة وقد باتت جهود اللجنه واضحة لا تخفى على أحد.
” تكيف ” ومركز بيوت التعافي .. النموذج
وعند الحديث عن الرعاية اللاحقة نقدم نموذجا بمركز “بيوت التعافي” وهو أحد أشكال الرعاية القائمة ، والتي معها يمتد الطموح لأن تتوسع مع برنامج ومشروع “تكيف” لوزارة التنمية الاجتماعية التي أشارت له مؤخرا في إحدى مشاركاتها ، وهو برنامج وطني لإعادة التأهيل الاجتماعي للمتعافين من الإدمان والمفرج عنهم من السجون ويعكس أهميته الحتمية.
ومركز بيوت التعافي بمحافظة مسقط تم افتتاحه يناير عام 2015م، بسعة 50 سريرا ، ويقدم خدمات الدعم والتأهيل النفسي والاجتماعي والمهني والدعم الأسري للمتعافين من الإدمان ، والذي يعد خطوة في طريق الإصلاح وإعادة التأهيل على مستوى الأحداث وغيرهم لإعادة تأهيلهم ودمجهم في المجتمع ، ويعمل فيه حوالي 15 مرشدا وهو يعكس المسؤولية في المدمج والتشغيل ، إضافة إلى التزام اللجنة الوطنية لشؤون المخدرات بعمل برامج تدريبية متخصصة واستقطاب القطاع الخاص للمشاركة في بناء المراكز العلاجية للمدمنين والمتعافين من الإدمان.

إلى الأعلى