الجمعة 21 يوليو 2017 م - ٢٦ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / الرأي العام ودوره في صناعة السياسات العامة للدولة

الرأي العام ودوره في صناعة السياسات العامة للدولة

محمد بن سعيد الفطيسي

” ..الرأي العام يشارك في رسم السياسات العامة في المجتمعات الديمقراطية، وذلك بوضع قيم ومعايير وتوقعات للسياسات العامة، أما السياسات العامة ذاتها فهي من صنع جماعات متخصصة تتمثل بمراكز صنع القرار, فالمواطنين لا يصنعون السياسات العامة من جهة، وليسوا بعيدين عنها تماماً من جهة أخرى.”
ــــــــــــــ
السياسات العامة للدولة وبشكل مختصر وبسيط هي مجموعة البرامج والأنشطة والخطط والتوجهات والتشريعات والقرارات العامة التي تنتج كمخرجات Outputs عن أجهزة الدولة ذات الصلة والاختصاص حيال المطالب والطلبات من جهة والمواقف والاتجاهات الصادرة عن المحيط المؤثر من جهة أخرى , ويطلق عليها بالمدخلات Inputs , وبمعنى آخر ان المخرجات هي أداء المؤسسات الحكومية والمدخلات هي اثر وتأثير البيئة والمجتمع على تلك المؤسسات, وعند أستاذ العلوم السياسية ديفيد استون صاحب النموذج التحليلي الشهير حول تحليل النظم السياسية المعروف باسم “نموذج المدخلات والمخرجات ” هي تعبير عن التوجيه السلطوي أو القهري لموارد الدولة ، والمسئولة عن التوجيه هي الحكومة .
لذا فإننا نلاحظ بان السياسات العامة هي تعبير صريح وواضح عن أدائية النظام السياسي، فكلما نجح النظام السياسي في صناعة أنشطة وتفاعلات تشاركيه في البيئة الوطنية يمكن من خلالها إصدار قرارات وسياسيات وتوجهات ايجابية وسليمة وناجحة لاحتواء اثر وتأثير المدخلات كلما تمكن ذلك النظام من زيادة قدرته على الاستقرار والثبات, وحقق الأمن والأمان والرخاء والتنمية للوطن والمواطن, والعكس صحيح في حال الفشل في ادارة السياسات العامة للدولة بشكل علمي وسليم يحقق الغايات والأهداف سالفة الذكر, لذلك جاء أهميه دراسة السياسة العامة لتحقيق مثل تلك الغايات والأهداف المشار إليها، وأصبحت أهميه دراستها ضرورة ملحة تقتضيها اعتبارات علمية ومهنية إدارية وسياسية.
فالعلاقة بين النظام السياسي والسياسة العامة ( تتحدد من خلال معرفة ادوار المؤسسات والقوى المكونة للنظام السياسي الرسمية وغير الرسمية في صنع السياسات العامة, فالسياسات العامة من حيث الرسم والتنفيذ والتقييم هي نتاج أداء تلك المؤسسات، وترتبط بشكل مباشر وغير مباشر بدور تلك المؤسسات، وعلى ضوء ذلك الأداء تتوقف درجة نجاح السياسات العامة في تحقيق أهداف ومتطلبات المصلحة العامة، وبالتالي فان النجاح أو عدم النجاح في تحقيق تلك المتطلبات هو الذي يظهر تباين الأنظمة السياسية في كيفية ممارسه مؤسساتها عند صنع السياسة العامة).
من هذا المنظور فإن صانعي السياسات العامة في أي نظام سياسي هم: الجهات الرسمية والجهات غير الرسمية الذين يشاركون في رسم السياسات العامة بصورة مباشرة, وعلية فانه يمكن تقسيم الأطراف التي تشارك في صنع السياسات العامة على نوعين رئيسيين هما: الأطراف الرسمية ” الحكومية “، والأطراف غير الرسمية ” غير الحكومية”, فالأطراف الرسمية هي الجهات الرسمية الحكومية بمختلف تفرعاتها وسلطاتها التشريعية والتنفيذية والقضائية, أما الأطراف غير الحكومية فهي المؤسسات والأفراد الذين يكونون المجتمع المدني كجماعات الضغط والأحزاب السياسية والرأي العام وهذا الأخير هو ما يهمنا في هذا الطرح.
فالرأي العام يشارك في رسم السياسات العامة في المجتمعات الديمقراطية، وذلك بوضع قيم ومعايير وتوقعات للسياسات العامة، ( أما السياسات العامة ذاتها فهي من صنع جماعات متخصصة تتمثل بمراكز صنع القرار, فالمواطنون لا يصنعون السياسات العامة من جهة، وليسوا بعيدين عنها تماماً من جهة أخرى. فاتجاهات الرأي العام، وتوقعاته حول كيفية مواجهة بعض القضايا الأساسية لا يمكن إهمالها من قبل صانعي السياسات العامة ، بل تعد الإطار العام الذي يفترض أن يتحرك ضمنه هؤلاء ، فهو يحدد ما هو مقبول ، وما هو مرفوض ، وما هو ناجح أو فاشل من قرارات وسياسات ،خصوصا بعد تنفيذ تلك القرارات ).
فلمطالب ورغبات المواطنين مكانة وموقف مؤثر في رسم السياسات العامة حتى في المجتمعات التسلطية او الديكتاتورية ( ففي القرون الوسطى كانت الدول التقليدية على الرغم من أنظمتها المستبدة تحرص على سماع أصوات المواطنين وتلبية بعض مطالبهم لتقليل النقمة بين صفوفهم، والتخفيف من عدم الارتياح عندهم كما ان النظام في الاتحاد السوفيتي (السابق) لم يهمل ـ على سبيل المثال – جميع المطالب الفردية للمواطنين، بل كان يحرص على الاستجابة لبعض القضايا والمطالب لهذه المجموعة من المواطنين او تلك، فحرصه على الاستجابة لمطالب المستهلكين وترجمتها في سياسات الإنتاج في السنوات الأخيرة التي سبقت انهياره، ما هو الا دليل على استجابة الأنظمة مهما كان شكلها للرأي العام ولو بدرجات وكيفيات متفاوتة).
كما ان الرأي العام لا يمثل بالضرورة رأي الأغلبية
( أصلا) بل يمكن ان يمثل رأي فرد او مجموعة قليلة من الأفراد تجاه مطلب او قضية معينة في ظروف ووقت معينين، ثم تطور واتسع بالتفاعل والاتصال ليكون رأيا عاما لشريحة واسعة من المجتمع ـ كما يحدث اليوم من خلال وسائل ووسائل التواصل الاجتماعي على سبيل المثال لا الحصر – , والرأي العام يمكن ان يؤثر في رسم السياسات العامة بطريقتين هما : الأولى : ما يفرضه الرأي العام على النشاطات والتصرفات الحكومية من قيود او حدود في رسم وتنفيذ السياسات العامة,أما الثانية: فهي الخوف الذي يسيطر على بعض راسمي السياسات العامة ومنفذيها من اتخاذ قرارات او مواقف يتوقع ان لا تحضي بتأييد او مساندة الرأي العام.
وقد أشرت الى هذا الأمر وأهميته في مقال سابق لي تحت عنوان: أهمية الدعم الشعبي في توجيه وإعداد السياسات العامة ” استطلاع الرأي العام نموذجا: حيث قلت ان جل الأنظمة السياسية حول العالم باختلاف أشكالها وأنواعها واتجاهاتها الفكرية تحتاج الى مساندة ودعم شعوبها في ما تتخذه من قرارات وتوجهات وسياسات تنموية قائمة او قادمة, وسواء كان ذلك على مستوى قراراتها الداخلية او الخارجية, لأنها بدون ذلك الدعم الجماهيري من قبل مواطنيها ستبقى مهددة ومعرضة لخطر السخط والامتعاض والريبة والشك في أفكارها وتوجهاتها الراهنة والمستقبلية , ما يمكن ان يؤدي مع الوقت الى فقدانها لدعم وتأييد الشرعية الجماهيرية القائمة أصلا على ثقة المواطنين بها, وبدون تلك الثقة تفقد الأنظمة السياسية والحكومات شرعية مهمة, بل غاية في الأهمية في القرن 21, الا وهي الشرعية الجماهيرية او الشعبية, لأنها وبدون تلك الشرعية تعرض نفسها ومواطنيها لخطر الاختراقات والتدخلات الخارجية, نتيجة ضعف الحصانة الداخلية, وهذه الأخيرة تنتج دائما نتيجة ارتفاع منسوب الشك والريبة وعدم الثقة بين المواطنين وحكومتهم وبالتالي نظامهم السياسي ككل.

إلى الأعلى