الأربعاء 29 مارس 2017 م - ٣٠ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / وادي عبقر

وادي عبقر

أ.د. محمد الدعمي

سبق أن لاحظنا أن جوهر تواريخ شعوب الشرق الأوسط إنما يكمن في صراع غابر في القدم بين البداوة والاستقرار، أي بين تراث وقوانين الصحراء، من ناحية، وبين تراث وقوانين الأقوام المستقرة حيث تتوفر المياه العذبة بغزارة تفي لأغراض بناء الحواضر والزراعة عبر وديان الأنهار الخصيبة كدجلة والفرات والنيل، زيادة على السهول الساحلية الخصبة في بلاد الشام وجزيرة العرب.
إن أية نظرة مسح شمولية، من المنظور أعلاه، لأحوال الشرق الأوسط اليوم تعكس صحة ما نذهب إليه على نحو دقيق، خاصة بقدر تعلق الأمر بالإرهاب، تلك الطاقة الجمعية المتوحشة التي لا يمكن التنبؤ بما ستؤول إليه. وعلة ذلك تكمن في طغيان قوة البداوة على قوة المدنية والحياة المستقرة.: فإذا كان الإنسان البدوي قد هاجر الخيمة والجمال وارتحل صوب المدينة يبحث عن وظيفة بدلاً عن البحث عن الكلأ والماء كما كان يفعل منذ الأزل، فإنه لم ينق نفسه قط من رسائل تراث البداوة السرية السارية في دمه على نحو رموز أسطورية. لذا تراه لم يزل يرتجع إلى الثأر ويعمد إلى الانتقام وغسل العار، إضافة على ما يميزه من شاعرية وفروسية وكرم حاتمي، من بين سجايا أخرى.
للمرء أن يربط الملاحظات أعلاه بما حدث بالأمس في الشقيقة ليبيا، وقبلها في عدد من دول الشرق الأوسط. وخلاصة هذه المفاجآت الأقرب لنمط الحياة البدوية، هي أن الجماعات نصف البدوية ونصف المتمدنة لم تزل تحتفظ برؤوس أفرادها تحت خيمة البدو المصنوعة من وبر الإبل، بينما تمتد أقدامهم في المياه الباردة للأنهار والسواقي والترع والبحيرات حيث يمكن بناء مراكز حضرية.
أما الأصوات التي راحت ترتفع هذه الأيام من اصحاب الرأي والأقلام الذكية تحذيراً من “رجع الإرهاب”، فإنها بكل صدق، اصوات لا تنأى بنفسها عن الواقع وعن قراءته بدقة تستحق التقدير. وإذا كان التحذير من نذر رجع الإرهاب مبرراً اليوم، فإنه، لاريب، يرتبط على نحو خاص، بالحركات الإسلامية أو تلك التي تتخذ من الإسلام غطاءً لها.
وعقدة الأمر تتلخص في أنك، مهما بلغت من جبروت وقوة شكيمة ورباطة جأش لا يمكنك أن تسأل من يذهب إلى الجامع أو المسجد عن سبب تردده إليه، كما لا يمكنك أن تعترض على قراءته لكتاب ديني العنوان والشكل، ولكن إرهابي المضمون والمعنى! فيا له من وضع محرج ومقلق.
إن رواسب ثقافة البداوة لم تزل موجودة في قعر العقل العربي في ليبيا وسوريا وسواهما من بلدان الشرق الأوسط، وهي تتجلى من آن لآخر في خروج بعض الجماعات عن أنماط السلوك الرسمية أو المعتمدة، لتعمد إلى فرض إراداتها بالطريقة التي تريد وبالانتقائية الاعتباطية المتواشجة مع هذا النوع من السلوك اللا قانوني. هنا وهناك عبر دولنا في الشرق الأوسط، تقرر البداوة، متمثلة بهذه الجماعات أن تفرض نسختها الخاصة من العدالة وطريقتها الخاصة من الديمقراطية، ولن يضنيها إيجاد ما يبرر ذلك، بحسب منطق وادي عبقر الذي يمور بالجنون والأشباح وشياطين الشعر!
إن غاية ما يخشاه المرء هنا، في الشرق الأوسط، هو انزلاق الشعوب وراء هذه الجماعات التي تكتب دساتيرها بيد من يديرها، بلا مسؤولية ولا رؤى مستقبلية حضارية يمكن أن ترى العمل السياسي نشاطاً مدنياً سلمياً، وليس نشاطاً متوحشاً من نوع البقاء للصلح فقط.

إلى الأعلى