الإثنين 23 أكتوبر 2017 م - ٣ صفر ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / السياسة / كلمات: كلمة السر في صدر العربي اللاجىء !
كلمات: كلمة السر في صدر العربي اللاجىء !

كلمات: كلمة السر في صدر العربي اللاجىء !

كانت المطربة صاحبة أجمل الأغنيات القومية فايدة كامل تردد في أحدى إغنياتها ” لن ينام الثأر في صدري وإن طال مداه”، مع ان الدنيا في ايامها لم تكن كدنيا اليوم، فإن مفهوم الثأر كان حيا، ويعني أن ثمة أحداثا جساما يقف وراءها مفتعل وفاعل. والحقيقة أن هذين الطرفين موجودان دائما في حياة الأمة، سواء من داخلها او من خارجها او الاثنين معا..
هذا الكلام اكثر ماينطبق على اللجوء واللاجئين .. إنهم حسرة أممهم، عذابها النفسي، شقاء روحها.. فإذا عرفنا أن الجزء الأكبر منهم عربي، تكون الحسابات التي لاتحتاج لتفكير أن ثمة داهمة أدت هذا الأشكال ورفعته الى مستوى ان يكون العربي لاجئا.
هذا اللجوء العربي نراه اليوم بيننا، كيفما كانت الكاميرات التلفزيونية تكون نقطة التركيز مخيمات اللجوء، وكم من مخيمات عمرت وما زالت ،، واذا اردنا تسجيل زمنها نذهب الى البعيد، فحادثة انتقال العرب بين اقطارهم لأسباب سياسية وانسانية وبالذات تآمرية، قديمة العهد.
في بلاد الشام تكثر مخيمات اللجوء حتى يصل تعدادها الى ارقام كبيرة، ستجدها في لبنان وفي سوريا وفي الأردن وفي العراق، والآن في كل العالم العربي، لكن اقدمها عهدا تلك التي بدأت من فلسطين ..
يوم بدأ التآمر على الشعب الفلسطيني وبدا ان فلسطين مهددة بالضياع، وأن عديدا من المفكرين العرب وخيرة السياسيين كشفوا الاطماع الصهيونية، ظل الاستعداد لملاقاة ذلك محدودا ومحصورا بالشعب الفلسطيني.. وكلما اقتربت السنين من العام 1948 اي عام النكبة الكبرى كان اليهود على انشغال بترتيب اوضاع مستقر لهم في ذلك القطر العربي، وكانت بريطانيا تجهز وتهيىء لهم المكان وتصنع كل الأطر التي تؤدي لحصولهم على مايريدون.
وبكل معايير المؤامراة الدنيئة، انسحب البريطاني وسلم اليهودي فلسطين، ومن يومها بدأت حكاية اللجوء.. كانت رقما متواضعا ثم اضحت بمئات الآلاف .. قرى وبلدات ومدنا بأكملها زحف اهلها الى خارجها .. عم في ذلك الوقت نداء مشهور ان اخرجوا قليلا من الوقت ثم ستعودون الى اماكنكم، لكن الشعب المسكين صدق ان من كان يشتغل عند البريطاني سوف يعيده الى ارضه .. قد لا يتسع هنا المجال لتذكر تلك الحادثة التي أودت بالشعب الفلسطيني الى ديار الغربة وما زال فيها منتظرا، لكن مايجب قوله، ان الايام الأولى من اللجوء كانت قاتلة وكارثية، ثم اصبحت صعبة، ثم تلاشت رويدا الى ان انهار الأمل بالعودة، حتى ان عاد البعض كما في رواية غسان كنفاني ” عائد الى حيفا ” فإن الطفل الفلسطيني الذي نسيه اهله عند هروبهم، صار اسرائيليا بكل معنى الكلمة.
اليوم هنالك ملايين الفلسطينيين المشردين رغم سكناهم مخيمات كما تسمى وهي قد تحولت الى باطون وأزقة ضيقة وعالم محشور كعلب السردين، وشعارات تملأ الحيطان الواقفة بخجل في امكنتها وهي تحكي قصة شعب مؤمن بانه سيعود الى ارضه، سيظل يتذكر فلسطينه الجميلة الأبية، ولن ينساها رغم كل العذاب الذي عاشه والأمل الذي بناه على انظمة عربية لم تتمكن من تحقيقه، وحين حمل السلاح بنفسه واراد ان يصنع فجره، اسقطه الأخ والصديق قبل العدو، وهو مازال يحمل صليب قضيته الى اليوم، ولا يبدو ان عودته باتت قريبة ، فبينه وبين دياره مسافات قليلة بالكيلومترات، لكن هنالك موانع لاتحصى يجب تذليلها لكي يصل في النهاية.
لكن اللجوء الفلسطيني ليس وحيدا عربيا، هنالك اللبناني الذي غزا بقاع العالم، اذ يندر أن نرى بلدا الا وكان اللبنانيون من موجوديه .. هذا البلد اول من اخرج ابناءه الى العالم نتيجة ضيق العيش اولا ، ثم تزاحم الواقع السياسي المتفلت، ثم الحروب التي عاشها .. يعيش داخل لبنان اليوم اربعة ملايين تقريبا ( بالطبع تغيرت الارقام لأن النزوح اليه كثيف) اما اللبنانيون في الخارج فيصلون الى اثني عشر مليومنا واكثر، وجلهم في مناصب عليا ومن اصحاب الثروات والخدمات والاعمال المتقدمة. لكن المفارقة ان لبنان ايضا كانت العيون عليه، فلقد نزح اليه في فترات متباعدة اعداد من السوريين مثلا ومن بقية العرب، صاروا مع الوقت لبنانيين بالهوية وبالاحساس وخصوصا في جيل الابناء .. ويشهد تاريخ هذا النزوح انه خلال الوحدة بين مصر وسوريا في العام 1958 وعندما حصلت قرارات التأميمات التي اطلقها الرئيس عبد الناصر، هربت رساميل كثيرة من سوريا الى لبنان ايضا وما زال اكثرها موجودا منذ ذلك التاريخ لكن بهويته اللبنانية الجديدة.
لم تكن نكبة فلسطين اذن سوى مقدمة للجوء عاش في محيط فلسطين على أمل ان يكون قريبا من الوطن، لكن عندما وقعت الحرب اللبنانية الاهلية عام 1975 لجأ اللبنانيون الى محيطهم في سوريا والعراق والاردن ومصر وفي اتجاهات مختلفة.. ظل هذا اللجوء متماديا الى ان وقعت حرب الخليج وخصوصا بعد ان اجتاح صدام حسين الكويت عام 990 ، يومها لجأ اهالي الكويت الى محيطهم العربي مثل بقية العرب الآخرين، لكن اللجوء العراقي كان قد بدأ الى هذا المحيط ايضا، بدأ العرب يتكومون في اماكنهم العربية بحثا عن امان وانتظارا لغد مختلف، لكن الامور في العراق زادت، فزاد معها اللجوء، الى ان احتلت الولايات المتحدة الاميركية العراق وهنا اصبح الأمر مختلفا تماما، بما يعني ان العراقيين خرجوا هائمين على وجوههم باتجاه اخوانهم العرب ايضا، ثم هم على ازدياد وقيل مثلا ان عددهم في الاردن اليوم يتجاوز المليون، فيما كان قد وصل في سوريا قبل ازمتها الى ثلاثة ملايين، وفي العالم الى ارقام مماثلة في اروبا واميركا وكندا واستراليا وغيرها ..
ورويدا رويدا بدأت خيوط المؤامرة الدائرة الآن على العالم العربي .. وازدادت حبكة، فاين المفر لأبناء الأمة غير لجوء ونزوح جديد تكون الأمة هدفه ، وخصوصا في عالم بلاد الشام التي تراكمت اشكال لجوئها حتى صارت غير مفهومة في بعضها .. فلقد ترك العراق بعد ان اصبح هنالك ارهاب اسمه ” داعش ” آلافا من النازحين الذين ظل بعضهم داخل العراق ولكن في اماكن اخرى وخاصة عند الاكراد، في الوقت الذي تاه العراقيون الآخرون بحثا عن الامان، فاذا به صعب في سوريا، فلم يجدوا ايضا غير الاردن، وبعض العرب الابعدين، ومن ثم العالم .. اما السوريون الذين اكتووا بنار حربهم الداخلية الضروس، فقد ظن شعبهم ان المسالة لن تتعدى الايام او الشهور كي تنتهي فاذا بها تعمر اربع سنوات والخامسة ايضا ولا يزال هنالك وقت مفتوح للصراع الدامي. وهكذا كان، لجأ ملايين السوريين الى تركيا ولبنان والاردن وتاه بعضهم في البحر فأكل السمك لحمه او وصل بصعوبة الى هدفه في ان يقيم في اي مكان. لقد كان خيارا صعبا امام شعب لم يعد يفكر سوى بالهروب من ازمته .. والأزمة عصية ، واللجوء يزيد ولن ينقص، هنالك ولادات بالعشرات، ثم بالآلاف، وهنالك من يكبر ، والانتظار مضن ومر وصعب وشاق ولا تتحمله النفس ، والشعب التائه لايعرف مصيره ..
اذا نظرنا بعين القراءة النفسية للجوء سنجده يتجاوز مفهوم الصعوبة،اذ ثمة انسان يتعذب لوحده ولا من معين، وثمة طفولة هي المشكلة لاتفهم سوى اللحظة التي تعيش فيها لكنها ستكبر يوما وسيزيد ذلك من عذاباتها، وستضطر الى التفتيش عن مستقبلها باية طريقة حتى لو حملت السلاح في اي اتجاه. فعالم اللجوء وخصوصا في الحروب، له مفهومه الجرمي، بحيث يحول اللاجيء الى منصة جاهزة لأن تمارس دورها في النزاع عندما يحين الوقت، اي عندما يصبح هنالك عمر يسمح، وبالتالي فان الصغار يكبرون، وفي اللحظة التي يخشوشن فيها صوت الفتى وتظهر علامات الشباب على محياه، لن يتمكن من الوقوف عند باب بل سيفتش عن بديل لحياته هو يقررها في لحظة، ومن المؤسف ان عقله الصغير وتجربته التي تساوي صفرا سوف تدفعه الى خيارات تكون احيانا ضد مصيره الوطني والقومي.
الوطن العربي اذن ، مسرح للجوء ، وخصوصا بلاد الشام التي نكبت به ولم تزل تتحمل ابعاده ..
ومن المؤسف ان هذا اللجوء لن يكون حلا، فهو مهيأ من ان يكون مؤقتا ليصبح دائما، فمخيمات اللاجئين الفلسطينين المتعددة في لبنان وسوريا والاردن حافلة بالشعب الفلسطيني الذي كبرت اجياله على مواعيد العودة لكنها ظلت في مكانها ولا يبدو انها ستتحرك الى مبتغاها .. فاذا اضفنا اليها مخيمات لجوء السوريين ضحايا ازمة مفتوحة غير معروفة النهايات، ثم العدد العراقي اللاجيء ايضا، نكون امام ظاهرة لاحل لها، فلبنان بملايينه الأربعة من اللبنانيين هو اليوم يقارب الملايين الثمانية تقريبا، والأردن كذلك وأما سوريا فثمة نزوج داخلي وخصوصا الى العاصمة دمشق التي تعيش هدوءا ملحوظا حتى انها قد بلغت الستة ملايين وحدها ..
فهل بعد هذا المشهد المحزن لأمة تتكدس شعوبها فوق بعضها، فيما يعيش الصهيوني مرتاحا وهو المشكلة والأزمة والسبب. وهل يمكن حين التحدث عن الثأر الا ان تغلي الصدور به حتى يصبح قانونا معجلا ضد كل الأطراف التي وضعت الأمة في هذه الصورة المثيرة ..
لاشك أن الثأر يجب ان يكون عاقلا وله برنامجه كي لانعالج الخطأ بخطأ ولكي لايكون رد الفعل مرتدا على اصحابه . ان تاريخ الشعوب طويل هو عكس تاريخ الأفراد القليل السنوات، ولأنه يحتاج لاجيال ، فعليه تترتب الآمال . إن الأمم القادرة هي التي تصنع من تراكم احداثها ومصابها مفاتيح لحل جذري ، فالعناوين في العالم العربي معروفة، ومسبباتها معروفة ايضا، ولا نملك في هذه الحالة سوى ان يختار العربي طريق التعبير بما يتلاءم مع قدرات مصنوعة بزنوده وعقله. ثمة عقول نيرة ، وثمة من نذروا انفسهم للموت من اجل الوطن.. سيظل الثأر في صدورنا إذن الى أن نحل الأزمات التي ادت اليه، ولعلنا لسنا بحاجة الى الاهتداء اليها : الولايات المتحدة واسرائيل والغرب وبعض العرب.

إلى الأعلى