الجمعة 20 يناير 2017 م - ٢١ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / الأساس في تيارات الثقافة العربية اليوم

الأساس في تيارات الثقافة العربية اليوم

أ.د. محمد الدعمي

” .. إذا كان رأس الخلافة يرنو لقفل التفوق العالمي ببغداد حقبة ذاك، عبر حملة التعريب والترجمة الشاملة التي قادها الخليفة شخصيا عبر بيت الحكمة أعلاه، فان العقل العربي لم يبد أي نوع من العصبية الانكماشية ضد الهندي والعبري والآرامي والإفرنجي، التركي والفارسي، كي ينهل منها جميعا عبر العصر الذهبي للحضارة العربية الإسلامية،”
ـــــــــــــــــــــ

على الرغم مما أحيطت به الثقافة العربية من عناية أولي الأمر وقادة الرأي، زيادة على عناية اصحاب الأقلام من ذوي الشأن المباشر، يشعر المرء بثمة خلل ما يكمن هنا أو هناك عبر نسيجها الحي. ربما كان الظفر باستمكان هذا الخلل من أهم الشروط المسبقة لتشخيصه ومعالجته. على سبيل التقدم إلى أمام، إلا أن ضوضاء الإحتجاج والدعوات لتحرير الثقافة العربية قد أفرزت عددا لابأس به من التيارات النقدية، بين بغداد والرباط، شرقا وغربا، وبين دمشق ومسقط، شمالا وجنوبا.
يدعو أحد التيارات الثقافية الرئيسة الى تحرير الثقافة العربية من الصيغ والأنساق الفكرية والتقنية، بمعنى الفنية، القديمة. لذا، فانه مضاد لكل ماهو مدرسي، يعتمد المحاكاة الببغائية، اي تلك التي تصنع الشاعر عبر “تحفيظ” الفرد عشرات الالاف من أفضل ماقالته العرب شعرا، كما كانت عليه حال الشاعر المعروف “عبد المحسن الكاظمي”. لذا فإن هذا التبار يتعامل مع التراث على نحو إنكماشي، متحسس درجة تطليقه ثلاثا.
وعلى نحو معاكس، يبرز تيار انغماسي، لا يحتضن دروس الأدب والثقافة المدرسية بسبب الارتماس بمياه الأجنبي الوافد حد فقدان القدرة على مواكبة الذائقة المحلية. لذا فانه تيار يعاني من “عقدة نفسية” حقيقية تتجسد في العزوف عن تقدير أو إحترام الثقافات المحلية، درجة البحث المضني عن جميع قنوات التواصل مع الثقافات الأخرى، الغربية بخاصة. وهذا إخفاق خطير، بطبيعة الحال. هو إخفاق لا يخلو من بعد سياسي لا محلي التمركز يضمر الكراهية للـ”أنا” او يشكك بآثارها الرجوعية والإرتدادية التي، كما يراها، ترنو لفرض الإقامة الجبرية على العقل العربي، حد خنقه وإنتزاع روح المبادرة والتغيير منه.
وإذا كان التياران أعلاه يعانيان من عقد مسبقة تشل الكثير من وظائفهما الإجتماعية وآفاقهما، فان تيار الوسطية أو الإعتدال، ذلك الذي يحاول الحفاظ على التقليدي المتوارث، سوية مع محاولة مواكبة العصر والحداثة كي يضفي على الثقافة العربية بعدا عابرا للحدود الإثنية اللغوية والثقافية في سبيل التشبث بالحوارات الثقافية مع “الآخر”. هذا تيار متوازن نسبيا، فهو لا ينكر الثقافة المحلية المتوارثة على نحو متعال، من ناحية، كما أنه لا ينفي الثقافات الأخرى، فيخصها بدونية النظرة على نحو أحادي.
إن الثقافة العربية الحية ببعدها الإسلامي الأساس، لا يمكن أن تبقى جزيرة منفصلة عن القارات والجزر الأخرى، بدليل أنها حاولت إستقطاب الثقافات الأجنبية من ابعد القارات عبر إعتصار أذكى نتاجاتها على أيدي معربي “بيت الحكمة” البغدادي، على عصر الخليفة العباسي المأمون.
وإذا كان رأس الخلافة يرنو لقفل التفوق العالمي ببغداد حقبة ذاك، عبر حملة التعريب والترجمة الشاملة التي قادها الخليفة شخصيا عبر بيت الحكمة أعلاه، فان العقل العربي لم يبد أي نوع من العصبية الانكماشية ضد الهندي والعبري والآرامي والإفرنجي، التركي والفارسي، كي ينهل منها جميعا عبر العصر الذهبي للحضارة العربية الإسلامية، اي عندما إعتذر أحد فلاسفة بغداد عن قبول استضافة أمير في فارس بسبب الحاجة الى مئات الجمال لحمل كتبه ومخطوطاته الى حيث مستضيفه.

إلى الأعلى