الأحد 26 مارس 2017 م - ٢٧ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / قبل أن نبدأ معركة (الإرهاب)

قبل أن نبدأ معركة (الإرهاب)

” منذ أيام قتل شاب أميركي عنصري ٩ مصلين في كنيسة للسود في أميركا، بدعوات يمينية متطرفة، ماذا فعلت السلطات ؟! هل حملت الدين والعرق الأبيض المسؤولية عن تلك الجرائم، أبدا، تحدث أوباما في العمق, عن “الاستبداد” السياسي والمجتمعي في أميركا كسبب رئيسي في بروز مثل تلك الظواهر،”
ـــــــــــــــــــــــــــ
الإجرام والقتل لا سند شرعي أو عقلي يبررهما، لم يقل ذلك احد من علماء المسلمين المعتبرين، لا من الأولين ولا من المتقدمين، بالطبع التراث الاسلامي الفقهي فيه بعض المتشابه، مثل غيره من المورثوات, ولكن مجمل الجسد الفقهي واجتهادات علماء المسلمين ليس فيها مثل تلك الاساطير التي تروجها “داعش” أو حتى التي يروجها مناهضو داعش عنها، هناك اعتبارات واسانيد اخرى لمثل هذا الهوس والذي يطلق عليه مدعيه “فقها” او اجتهادا فقهيا، هي اولى بالبحث والتفنيد والنقد، منها المجتمعي والسياسي والجغرافي، كُتب الله ليست بيانات للقتل او معاول للتخريب او الهدم، وبيوت الله ليست اوكارا لصنع الموت، هناك من يحاول ان يصدر لنا هذه الصورة عن الاسلام, وهي من الاباطيل، هناك من يُحقر لنا الدين ويصدره لنا في صورة مسوخ مثل داعش واخواتها، هناك من يحاول نزع الدين من حياة الناس، يثور عليه تارة، ويُخربه تارة اخرى، بمثل داعش وغيرها، ينزع من حياتنا قوانا الفاعلة, يُقتل اخوة لنا في الدين والانسانية، يتم تشويههم بمزاعم الافك، يستفرد بالمشهد ويستأثر بكل المعطيات، يحتكر الحقيقة والحق, ولا يوجد من يردعه او يأخذ على يده او يراقبه، فالجميع ارهابيون تكفيريون، يتم سحبها على الكل، ومنهم المفكرون والعلماء المعتبرون، يستفرد بعقول الناس ومعتقاداتهم، يؤمم افكار الناس وايمانهم، لم نر ذلك في امم سبقتنا على مستوى السلم الاهلي وتماسك مجتمعاتها، منذ ايام قتل شاب اميركي عنصري ٩ مصلين في كنيسة للسود في اميركا، بدعوات يمينية متطرفة، ماذا فعلت السلطات ؟! هل حملت الدين والعرق الابيض المسؤولية عن تلك جرائم، ابدا، تحدث اوباما في العمق, عن “الاستبداد” السياسي والمجتمعي في اميركا كسبب رئيسي في بروز مثل تلك الظواهر، قالها الرجل دونما حرج” في أميركا استبداد قادنا الى الإرهاب, تعهد بالعمل على مواجهتهما فيما تبقى من رئاسته, وفي الاطار الاجرائي اعترف الرجل بفوضى السلاح في المجتمع الاميركي وعرض إجراءات تنفيذية للقضاء على تلك الفوضى, تقنن الحيازة باشتراطات وضوابط. هكذا تعاملت أميركا مع حوادث العنف لديها, نفس الحال في فرنسا، يقتل معتوه رئيسه في العمل, يقطع رأسه ويأخذ بجوارها “سيلفي”, تخرج الدعاوى, وتَدُق طبول الحرب, هنا تدخل السلطة المسؤولة, بتَعقُل يُهدأ رئيس الدولة فرنسوا هولاند الخواطر ويستوعب النفوس المضطربة, يتحدث عن القانون وسيادته وعدم استباق التحقيقات وعن طول امد المعركة وصعوبتها وتشابك اطرافها, دونما تهويل او عنتريات أو تعد على الحقوق، من تم القبض عليهم بحملات على بيوت جيران ومعارف مرتكب الجريمة تم الافراج عنهم خلال ساعات عقب اخذ الافادات، وصدر حديثا عن أطر قانونية ومجتمعية لمواجهة تلك النوازع الشريرة, على الرغم من ان حجم الكراهية والعنف الصادر من الغرب تجاه العالم يفوق الوصف الا انهم في مجتمعاتهم لهم نظرة مختلفة للأمور، عندنا تعيش مجتمعاتنا اوضاعا استثنائية منذ عقود ومع ذلك لم يمنع ذلك تنامي الإرهاب والتطرف, كل الحلول التي تم تقديمها لمعالجة تلك الظواهر مُعلبة وتقليدية, وتدور في فلك واحد, في حين ان الأزمة غير تقليدية وعابرة لكل الاطر التي تم طرحها, ما بين الاجراءات الامنية المشددة والتضييق على مجال العمل العام, حلقات مفرغة من محاربة الإرهاب بوسائل تثير التساؤلات حول أهدافها الحقيقية ومدى تحقيقها للمستهدف, حتى أن تلك الحملة على الإرهاب ومكافحته ألقت بظلالها على مجال العمل العام في بعض المجتمعات العربية بادواته الثلاث, الحزبي والاهلي والدعوي, وهي ادوات فاعلة في التنمية والازدهار, في خضم مواجهة الإرهاب تثار المخاوف من أن تُدهس مجالاتنا الحيوية والتنموية في مجتمعات تفتقر أغلبها لتلك الادوات, أو تتعرض حريات وحقوق الناس الاساسية للتضيق أو القمع, أو تتخذ مثل تلك العمليات كمصدات للتنصل من مسؤوليات التنمية والرقي بالانسان, في وقت واجهت أمم في تاريخنا المعاصر تحديات اكبر ونهضت وتقدمت.
فرق كبير بين تحليل أسباب وظواهر الإرهاب، وبين تبرير الإرهاب أو تأييده، التحليل مهم للتحذير ولوضع كل الأطراف أمام مسئولياتها، انما تبرير الإرهاب وتأييده مرفوض وجريمة تستوجب العقاب, ومن التجربة والواقع, الإرهاب قرين الاستبداد، اينما حلت جيفة الاستبداد على الارض فانظر من يهيم حولها، عقبان وغربان “الاستبداد” تدور في فلك جيف مثل “داعش” واخواتها من جماعات مشبوهة المصدر والهوية, ومثلما يتمترس الإرهاب خلف ثالوث الجهل والتطرف والاقصاء, فمواجهته حصرا وفقط في العدل والديموقراطية وإعلاء القانون.

محمد مصطفى
mmh164@gmail.com

إلى الأعلى