الإثنين 24 يوليو 2017 م - ٢٩ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / باختصار .. حكاية خندق

باختصار .. حكاية خندق

زهير ماجد

مثلما هي أوروبا مشغولة بعقدتها اليونانية وربما بغيرها في المستقبل، فان العرب مشغولون بحالهم التي لاتبدو ان لها نهايات قريبة تضع حدا لحال التشرذم .. فعندما طرح امين عام جامعة الدول العربية نبيل العربي فكرة اللقاء بوزير الخارجية السوري وليد المعلم، حظي بعدم رد لامن قريب ولا من بعيد، هو بحد ذاته رد مقصود على دور سلبي لعبه العربي ولم يجر ان لعبه غيره او مر في تاريخ الجامعة شبيه له.
في الواقع العربي الحالي انقسام تعمق مع الوقت حتى بات من الصعب تلاقيه الآن وفي المستقبل، بل هو تحول الى خندقين متوازيين يصعب اللقاء بيهما تحت اي ظرف ولأي سبب، العربي بدل ان يكون حياديا لأن موقع الامانة العامة تتطلب الحيادية، انحاز الى خندق، فوقع في شره .. ظن هو وخندقه ان سوريا مقبلة على تغيير جوهري، على نسف كل ماهو قائم فيها، بل ظن الرجل وخندقه افهمه، ان خير المواقف هو الذهاب بعيدا باخراج سوريا من الجامعة والتركيز على ان دولتها الحالية صارت من الماضي.
مر وقت طويل وسوريا الصامدة تزيد صمودا، والرئيس السوري بشار الاسد كالنجم المضيء في سمائها .. كلما تأملوا سوريا بدونه رأوا ضوءه اشعاعا ثابتا مرئيا وعلى امتداد الأمة والعالم. ظل هذا الخندق يحفر عميقا مع الوقت الى ان صار ارضا مختلفة الالوان والطبيعة، فيما ظلت سوريا في عالم الوضوح على ثبات واقعها، تتقدم وتقاتل، تدهش الصديق والعدو، يعيش شعبها في اماكن الهدوء حياة طبيعية وخصوصا في دمشق التي تحولت الى مجمع بشري يتجاوز الستة ملايين من شدة الازدحام والتهجير والنزوح.
لعل العربي وخندقه فهموا في النهاية انهم اخطأوا الحسابات، وانهم قرأوا على لغة لاتمت للواقع السوري بصلة، وان افكارهم ذهبت باتجاه ماحصل في مصر وليبيا وتونس، وان تقليده يعني بطبيعة الأمر حصول ماحصل فيها .. لكنهم نسوا نقاطا جوهرية ابرزها انها بلاد الشام، وان الجيش العربي السوري عقائدي وتربى على مفاهيم ولم يوغل في فراغ، وان الشعب السوري تربية قومية عروبية يعيش وحدته الداحلية عرسا دائما، وان هذه كلها تدين للراحل حافظ الاسد سوريا الحديثة، فبالتالي باتت ارثا للرئيس الحالي بكل فخار الانتساب ، ومن ثم التجديد ضمن خط القديم.
نسي العربي وخندقه تلك الثوابت التي ليست حالة عارضة بل هي تاريخ قائم مقروء دائما ومصان بسواعد الشعب السوري ومحفوظ في ذاكرته. ولهذا لم يقع العربي في خطأ خياره الذي بدأه ، وانما اسقط عمدا في خندق من الصعب ان يخرج منه او يقترب من الآخر بكل طهارته.
لاشك اننا امام حادثة مرت لكنها اسهمت في الاضاءة على فعل كان مخبأ في مرحلة ليست بعيدة، ذكراها مازالت تفوح، وعالمها مازال قائما ، وخندقها مازال يحفر ولا يريد فعلا معاكسا .. لقد اكتشف العربي متأخرا انه اخطأ فحاول القفز من خندقه لكنه عاد اليه بكل اسف.

إلى الأعلى