الأربعاء 26 يوليو 2017 م - ٢ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / شراع : اليونان هل ستكون أولى حبات العقد المنفرط؟

شراع : اليونان هل ستكون أولى حبات العقد المنفرط؟

خميس التوبي

مثلما قدم الاتحاد الأوروبي نفسه على أنه واحد من أنجح التكتلات السياسية والاقتصادية في العالم وأصبح مثار إعجاب ومثالًا لمتطلعين إلى بناء تحالفات وتكتلات على غراره، ها هو الاتحاد يسفر عن وجهه الحقيقي من خلال أزمة اليونان والدور الكبير الذي الرأسمالية المتوحشة بقيادة الولايات المتحدة، مبرزة على أنه نظام عالمي لا مكان للمساواة والعدالة في أعرافه، فهو نظام طبقي بامتياز لا يعترف إلا بالمصالح والنفوذ المالي وطغيان المادة.
وفي معترك النظام الرأسمالي المتوحش تتقدم اليونان إلى واجهة الحدث مؤكدة سطوة هذا النظام على مقدرات الشعوب وعلى لقمة عيشها، من خلال السياسات القائمة على تكبيل اليد وقصم الظهر بالديون المركَّبة، وعدم إعطاء الاقتصادات المتواضعة والضعيفة الفرصة الكافية والدعم اللازم لتطوير نفسها والاعتماد على ذاتها، حيث غدت هذه الاقتصادات رهينة للمؤسسات المالية “الربوية” بقيادة صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وأصبحت كل جهودها الإنتاجية موجهة للوفاء بديونها المركَّبة لتلك المؤسسات. فالحكومة اليونانية، وخلال الأسبوع الماضي قد فوتت موعدًا لسداد أحد استحقاقات الدين الحيوية لصالح صندوق النقد الدولي، وأجبرت البنوك في اليونان على الإغلاق إثر ذلك، لعدم قدرتها على الوفاء بذلك..
ولهذا فضل اليونانيون الأحد الماضي الخروج من دائرة الابتزاز ومطالب التقشف التي يطالبهم بها دائنو بلادهم وبنسبة بلغت حوالي واحد وستين في المئة، وجراء عمليات السحب الكبير تبدو البنوك عرضة لخطر الانهيار الوشيك، ما قد يجبر اليونان على الخروج من ربقة الاتحاد النقدي “اليورو”. كما يفرز الوضع اليوناني بين الواقع الحقيقي المعاش بشأن حقوق الإنسان واحترامها وبين المعلن في الأدبيات الإعلامية والسياسية للدول الأوروبية والولايات المتحدة كشعارات وواجهات لا تأصيل لها إلا بما يستوجب تقديم القرابين والخضوع والانقياد للرأسمالية المتوحشة.
وإزاء هذه الأزمة المطلة برأسها والمهددة بانخراط أولى حبات العقد الأوروبي، يقبض الأميركي على قلبه الذي تبدو مواقفه أنها لا تقدم ما يمكن التعويل عليه وهي تموج في تقلباتها يمينًا ويسارًا، لكن بمطلق الأحوال لا يمكن إغفال أن ما تعانيه اليونان أو ما سينتج عن خروجها من تداعيات تشكل مستندًا حقيقيًّا وتاريخيًّا يمكن الاتكاء عليه للوقوف على حقيقة النظام الرأسمالي المتوحش وتداعياته الكارثية عاجلًا أو آجلًا على الشعوب والاقتصاد معًا وذلك للأخطاء البنيوية في النظام ذاته ونظرته التمييزية لمختلف الفئات واعترافه فقط بطبقة الأغنياء والمرابحين.
وما من شك أن خروج اليونان وبدء انفراط عقد الاتحاد الأوروبي ليست له تداعيات اقتصادية فحسب، وإنما سياسية أيضًا، إذ من شأن ذلك أن يفتح الطريق أمام الدول الكبرى ذات الاقتصادات العملاقة والقادمة بقوة للمنافسة على المسرح العالمي السياسي والاقتصادي ونعني بها تحديدًا تجمع دول البريكس (روسيا الاتحادية والصين والبرازيل والهند وجنوب إفريقيا) واستعداد دول أخرى قادمة للانضمام إلى هذا التجمع العملاق الذي يرفض فكرة الأحادية القطبية وهيمنة القطب الواحد وسطوته على مقدرات شعوب العالم، ويؤمن بالتعددية التي تتيح لشعوب العالم خيارات عدة وتفتح آفاقًا رحبة للنظر إلى الحاضر والمستقبل بنوع من الاستقرار والأريحية والاطمئنان. كما أن مجرد الاهتزاز الاقتصادي الحاصل في تركيبة الاتحاد الأوروبي المتحالف أبويًّا واستعباديًّا للولايات المتحدة أُم الرأسمالية المتوحشة يفتح الباب واسعًا لنجاح بنك الاستثمار الآسيوي الذي دشنته الصين مؤخرًا والذي انضم إليه خمسون بلدًا، حيث تظهر هذه الهيئة المالية الجديدة المزودة برأسمال أساسي قدره خمسون مليار دولار، بمثابة وزن مقابل لسيطرة الولايات المتحدة على البنك الدولي وهيمنتها مع اليابان على بنك التنمية الآسيوي، لكن بعد انضمام بريطانيا المفاجئ إلى المشروع، تلتها كل من فرنسا وألمانيا وإيطاليا وكذلك أستراليا، مبدية عزمها على التأثير على المفاوضات التمهيدية، ما أثار غضب واشنطن التي لم تتمكن من التحكم بالعملية.
وفي الحقيقة إن تدشين هذا البنك الاستثماري لا يعد نصرًا دبلوماسيًّا للعملاق الاقتصادي الصيني، وإنما يمكن أن يعد أيضًا سببًا لنجاح البريكس بانضمام دول أخرى وانفصالها عن المعسكر الأميركي والتبعية المطلقة له. على الجهة المقابلة إن تزعزع الجبهة الأوروبية اقتصاديًّا يمكن أن يقود إلى تزعزعها سياسيًّا وهذا ما بدا من علاقات وثيقة بين اليونان بقيادة الحكومة التي يرأسها الكسيس تسيبراس وروسيا الاتحادية التي عبَّر رئيسها فلاديمير بوتين عن دعمه للشعب اليوناني لتجاوز الصعوبات وذلك إثر اتصال هاتفي بينهما بحثا خلاله أيضًا “عدة مسائل مرتبطة بتطوير التعاون الروسي ـ اليوناني” وفق بيان الكرملين. إذ من شأن هذه الزعزعة فشل المحاولات الأميركية الرامية إلى محاصرة روسيا الاتحادية وعزلها عن العالم وعسكرة محيطها الجغرافي عبر حلف شمال الأطلسي ومحاولة ضم ما تبقى من الدول المنحلة والمشكلة للاتحاد السوفيتي السابق كأوكرانيا للاتحاد الأوروبي والحلف الأطلسي. ولذلك يحاول الأميركيون الضغط على ألمانيا وفرنسا للتدخل لحل الأزمة اليونانية حيث أجرى الرئيس باراك أوباما اتصالًا هاتفيًّا مع الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل وحثهما على أهمية إيجاد مسار لليونان لاستئناف الإصلاحات والعودة إلى النمو ضمن منطقة اليورو، في حين تحدث وزير الخزانة الأميركي جاك ليو أمس الأول مع رئيس الوزراء ووزير المالية اليونانيين وأبلغهما أن واشنطن تتطلع إلى أن تستأنف أثينا والأطراف الأخرى المشاورات من أجل حل الأزمة اليونانية.
الخلاصة، إن النظام الرأسمالي لا يعترف لا بالأخلاق ولا بحقوق الإنسان، وإنما يعترف بالمصلحة فقط ولو كانت على حساب رقاب الناس، وهنا لا نزال نستحضر محاولة ابتزاز سوريا لإنهاء أزمتها بالسماح للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي بالدخول إلى سوريا واقتصادها وارتباطه به.

إلى الأعلى