الجمعة 21 يوليو 2017 م - ٢٦ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / باختصار : لو انه حي !

باختصار : لو انه حي !

زهير ماجد

تلك اللمسات الساحرة للرسام العبقري ناجي العلي في اعادة لنتاجه الكاريكاتيري على محطة الميادين العربية اللبنانية، تلزمنا كثيرا في هذه الظروف رغم ان ناجي اغتيل في لندن قبل ثمانية وعشرين سنة (1987)، واتهم يومها احد القادة الفلسطينيين بعملية الاعتيال.
لم يكن ناجي مجرد رسام كاريكاتير، بقدر ما كانت رسوماته مقالات سياسية لاذعة ذات بعد استراتيجي في معظمها .. فماذا كان عليه ان يرسم لو انه حي اليوم بيننا، يعايش ما نعايش، الوطن العربي في اسفل دركه مقسما مشظى ومنكوبا، يحكمه الخوف والقلق والتدمير والموت اليومي والنزوح والتهجير، فيما قضية فلسطين التي شكلت صلب اهتمامه غابت عن الحضور، فلم تبق قضية، ولم يبق سلاح هو عزتها في كل تواريخها، بل لم يبق قادة يؤرخ لهم انهم منحوها قوة اضافية كي تتمكن من الحياة.
كلما تأملت احدى رسماته الكاريكاتيرية اتضح لي انه كان ينجز كفاحا مسلحا على طريقته، بل طريقة من طرق تحرير فلسطين .. فهو غاضب تزاحمت فيه البحث عن تفسير لما كان يحدث، لكنه كان مؤمنا بأن هذا الفقير إليه تعالى والذي كان حاضرا في جل رسوماته، هو الفاضح للسياسة العربية والصهيونية والدولية الاميركية منها والغربية، فيما كان حنظلة الفلسطيني شاهدا على كل تلك التفاصيل يدير ظهره خجلا من عالم متربص.
وكثيرا ما تنبأت رسوماته بالمستقبل الانساني في هذه المنطقة، نرى اعادة عرضها اليوم وكأنها رسمت البارحة او ترسم الآن .. تلك الريشة الحرة ساهمت كثيرا في بلورة افكار الامس، فإذا بها نص هذه الايام ومعناها .. قد لا نصدق ان ناجي رسم تلك الوحات الموحية قبل ان يتم اغتياله بوقت، وفي ايام ما كان يقال عن عز للثورة الفلسطينية ولقادتها.
لم يكن ابدا خياليا او حالما، مع انه استغل بشكل مبكر تفسير احلامه على واقع مركب من شظايا لم يكن احد يراها سواه. ولهذا لم يغادرنا ناجي العلي، ظل محبوسا في تفسيراتنا السياسية، وظللنا كلما اردنا نصا موحيا لعالم العرب اليوم، ان نذهب الى قديمه الذي بات ينطبق على جديد حياتنا.
اكتب بحماسة عن هذا الفنان الذي جمعت رسوماته في كتاب، فإذا به أغزر كتاب سياسي مكتوب بالحبر الصيني، وفي كل سمة معنى وبعدا لا يمكن تفسيره بسهولة، فحيث ما كان الممكن من قول الحقيقة، كانت هنالك رسمة تقودنا إليها.
كنا نأمل لو ان ناجي حي بيننا في ظروف أمة تقاسي وتعاند، تعيش اخطر ايامها وسنيها وتكاد احلامها الوردية التي صدحت ذات يوم ان تتحول إلى لعنة عليها. الأمة اليوم المطلوب منها ان تتوحد لا تتوحد ضد الخطر الواحد .. من المؤسف ان ما عاناه ناجي منذ تلك السنين ورسمه، نعانيه اليوم، كأن التاريخ يكرر ذاته، فالقوى التي هدمت الأمة ما زالت تهدم فيها، واسرائيل التي كادت تباشير مقاومة ان تجعل منها عبرة لمن اعتبر، ها هي تعيش ابهى ايامها، وحين حسبنا ان الاستعمار قد ولى، اذا به يجتاح العراق في اكبر مغامرة ضد انسانه وانساننا العربي.
تحية لناجي العلي ولحنظلة الفلسطيني الذي ما زال يراقب، والذي يجب ان يظل حيا لأكثر من سبب وسبب.

إلى الأعلى