الثلاثاء 17 أكتوبر 2017 م - ٢٦ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / أخلاقيَّات

أخلاقيَّات

كثيرًا ما تمر بنا في الحياة الكثير من العبارات منها الجميلة ومنها السيئة التي لا نود سماعها، إن العبارة أو الكلمة لها أثر في النفس لا سيما إن خرجت من القلب إلى القلب ، وكانت تلك الكلمة صادقة ، ونرى القرآن الكريم يمثل صورة الكلمة الطبية في تصوير قرآني بليغ حيث يقول الحق تبارك وتعالى (ألم تر كيف ضرب الله مثلاً كلمةً طيبةً كشجرةٍ طيبةٍ أصلها ثابت وفرعها في السماء، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون) وهو إشارة في الآية أن خيرات تلك الكلمة مستمرة وصدق الشاعر حينما قال:
قُلهـا أخي قلـها فإن لها صدى يمحو عن القلب الخبائث والصَّدا
قلهــا وأكثر، فـاز منا مُكثر من قولها أمضى الحياة مفــرِّدا
جدِّد بها الإيمان من فـرط البِلى أكرم بها متصدِّقــا متــزوِّدا
هي كِلْمة ضرب الرسول لنَا بِها مَثَلَ الأصيلة فرعها يَطوي المدى
كــالنخلة الهيفـاء تؤتي أكْلها دوماً بإذن الله يا نِعْــمَ الجَـدَا
هــي كِلْمة السّر التي إن قلتها صِدْقاً نجوت من المهالك والعِدى
قُــلها قيامـا أو قعودا لا تَنِي قُلها إذا رُمت الكَرى متوسِّــدا
يحكى أن الملك الفارسي أنوشروان “الذي وُلد رسول الله عليه الصلاة والسلام في عهده” أعلن في الدولة بأن من يقول كلمة طيبة فسيمنحه 400 دينار، وفي يوم كان الملك يسير بحاشيته في المدينة ورأى فلاحاً عجوزاً في التسعينات من عمره وهو يغرس شجرة زيتون، فقال له الملك لماذا تغرس شجرة الزيتون وهي تحتاج إلى عشرين سنة لتثمر وأنت عجوز في التسعين من عمرك، وقد دنا أجلك! فقال الفلاح العجوز: السابقون زرعوا ونحن حصدنا ونحن نزرع لكي يحصد اللاحقون، فقال الملك أحسنت فهذه كلمة طيبة فأمر أن يعطوه 400 دينار فأخذها الفلاح العجوز وابتسم، فقال الملك: لماذا ابتسمت؟ فقال الفلاح: شجرة الزيتون تثمر بعد عشرين سنة وشجرتي أثمرت الآن، فقال الملك: أحسنت أعطوه 400 دينار أخرى، فأخذها الفلاح وابتسم، فقال الملك: لماذا ابتسمت، فرد الفلاح : شجرة الزيتون تثمر مرة في السنة وشجرتي أثمرت مرتين، فقال الملك: أحسنت أعطوه 400 دينار أخرى ثم تحرك الملك بسرعة من عند الفلاح فقال له رئيس الجند: لماذا تحركت بسرعة فقال الملك : إذا جلست إلى الصباح فإن خزائن الأموال ستنتهي وكلمات الفلاح العجوز لا تنتهي، هكذا الكلمة الطبية ثمارها مستمرة وسريعة ، للأسف الكثير لا يلقي أهمية للكلمة الطيبة ولهذا لا تجده يختار الكلام المناسب والرسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول:((إِنَّ العبد ليتكلّم بالكلمة -مِنْ رضوان الله- لا يُلْقِي لها بالاً، يرفعه الله بها في الجنة, وإن العبد ليتكلم بالكلمة -من سَخَط الله- لا يُلْقِي لها بالاً، يهوي بها في جهنم))، والله جلَّ في علاه يقول في كتابه ( وقولوا للناس حسنًا )، حتى ما يتصوره البعض شيئًا هينًا في حديثه، قد تكون عاقبته وخيمة وهنا اضرب لكم مثالًا بما حصل لأم المؤمنين السيدة عائشة رضي الله عنها حيث قالت: قلت للنَّبي صلى الله عليه وسلم: حسبك من صفيَّة كذا وكذا، فقال صلى الله عليه وسلم: ((لقد قلتِ كلمةً لو مزجت بماء البحر لمزجته)) وفي بعض الروايات قيل إنها تقصد أنها قصيرة القامة، فانظروا كيف أن كلمة صغيرة لا يظن المرء أنه يترتب عليها شيء عظيم حصل منها ما حصل، قال صلى الله عليه وسلم: (( اتقوا النار ولو بشق تمرة، فإن لم تجدوا فبكلمة طيبة)) وعن عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (( في الجنة غرفة يُـرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها)) فقال أبو مالك الأشعري: لمن هي يا رسول الله ؟ قال: ” لمن أطاب الكلام، وأطعم الطعام، وبات والناس نيام))
ليكنْ حديثـُك سلســــــلاً عذباً *** فيروق للمغمـــــوم إن غبقـــــه
و يكونُ سردُك نفحَه عطِــراً *** ‏كي يستسيغـَه كلّ ُمَــــن نشقــه
طيبُ الكـــلام ِو كُــــــلّ ُبادرةٍ *** في نيـــــةٍ للخيــــــر مُتفِقـــــــة
عن كُــــــلِّ طيبةٍ إذا صـدرتْ *** مِنْ ناطـق ٍمَعـــــدودةٍ صَــــدَقة
الكلام الطيب يدل على إنسان عذب رائع الأخلاق، يتطلع إلى الآفاق ، نسأل الله أن يجعلنا من المتحدثين بالكلام الطيب .

قيس بن خليفة الخزيري

إلى الأعلى