الخميس 30 مارس 2017 م - ١ رجب ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / تجفيف منابع الإرهاب

تجفيف منابع الإرهاب

”هل يصدم أحدا لو قلنا إن تجفيف منابع الإرهاب انما يبدأ من البيت والمدرسة والمسجد؟ هل يثير الاستغراب لو قلنا إن استخدام السلطات في بعض دولنا لمدخل “الدين في السياسة” انما على الاقل لا يساعد في مكافحة الارهاب، ان لم يكن يجعل تلك المكافحة بلا معنى؟ هل هناك من يدهشه القول بان بعض مؤسساتنا الدينية الرسمية تضم من لا تختلف لغتهم كثيرا عن لغة من نعتبرهم ملهمين ومحرضين ومشجعين على افكار التطرف والتشدد؟”
ــــــــــــــــــــــــــــــ
ليس هذا المصطلح بحديث العهد، أو مرتبط حتى بتصاعد نفوذ الإرهاب في سوريا والعراق ولا حتى ضمن رد الفعل الدولي على هجمات أميركا عام 2001. إنما يعود إلى نحو ثلاثة عقود، واذكر هنا في مصر بالتحديد مع بداية افاقة الحكم على كارثة محاباته للإخوان في صراعه مع اليسار ايام كانت في مصر سياسة. صحيح أن هذا التعبير أصبح يعني في السنوات الأخيرة الحد من عمليات التمويل للجماعات الإرهابية المسلحة، وبشكل أشمل وأعم بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر في الولايات المتحدة مطلع القرن الحالي. وأصبح لمكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي ووزارة الخزانة الأميركية أذرعا تطول أرجاء المعمورة تدقق وتراقب للحد من وصول الأموال لتنظيمات مثل القاعدة ونظيراتها. ومع بروز داعش، توسعت تلك الإجراءات دون ان تحقق نجاحا كبيرا على ما يبدو. ورغم قرارات اميركية بوضع اشخاص على القائمة السوداء باعتبارهم “ممولين للإرهاب”، والضغوط الاميركية والغربية عموما على هيئات ودول تتساهل في اجراءات وقف تمويل الارهاب (مثل تركيا) الا ان موارد داعش في ازدياد.
ذلك ان الأمر لم يعد يقتصر على جمع الأموال، تحت تسار التبرعات والصدقات، وايصالها عبر حسابات جمعيات خيرية إلى الجماعات الارهابية. بل ان داعش الآن تتاجر في كثير من خيرات المناطق التي تسيطر عليها في سوريا والعراق، من نفط خام وذهب ومحاصيل وخلافه. واغلب تلك التجارة يتم عبر تركيا التي تعد حدودها مع مناطق سيطرة الجماعات الارهابية منفذ تلك الجماعات الوحيد على العالم الخارجي. ثم ان “منابع” الارهاب لم تعد تتمثل في الاموال فحسب، بل في السلاح والعتاد الذي يصل لتلك الجماعات من مصادر شتى وبعضه مما تستعمله الجيوش وفوق كل هذا الموارد البشرية من متطوعين ومجندين. والواضح أن منابع الإرهاب في لم تجف بل زادت روافدها وتعددت حتى إن المرء ليظن ان جهود “تجفيف منابع الإرهاب” انما تأتي بنتائج عكسية جعلته أينع ورقعته أوسع.
هل يصدم أحد لو قلنا ان تجفيف منابع الارهاب انما يبدأ من البيت والمدرسة والمسجد؟ هل يثير الاستغراب لو قلنا إن استخدام السلطات في بعض دولنا لمدخل “الدين في السياسة” انما على الاقل لا يساعد في مكافحة الارهاب، ان لم يكن يجعل تلك المكافحة بلا معنى؟ هل هناك من يدهشه القول بان بعض مؤسساتنا الدينية الرسمية تضم من لا تختلف لغتهم كثيرا عن لغة من نعتبرهم ملهمين ومحرضين ومشجعين على افكار التطرف والتشدد؟ لا أظن أن في كل التساؤلات ما يثير العجب، فنحن نتحدث عن هذا بشكل يومي الآن لكننا نتوقف عند ذلك ولا نملك شجاعة مواجهة أنفسنا بما هو فينا. مع أن أول خطوات العلاج هو الاعتراف بأنك مريض، ثم الصراحة والوضوح في تبيان تاريخ الحالة كي يكون التشخيص سليما وكما يقال فإن التشخيص السليم نصف العلاج. ربما كان التأثر بالوضع في مصر سببا في تلك الاستفهامات التعجبية، ولا غرو في ذلك فقد خبرت هذا مباشرة دون قراءة في كتب أو رواية وتفسير عن آخرين.
حين سعت السلطات في مصر للحد من نفوذ “الاسلام السياسي” بعدما اندلعت اقوى شرارة للفتنة الطائفية مطلع الثمانينيات من القرن الماضي بأحداث الزاوية الحمرا في القاهرة، كان سعيها على مسارين: المسار الأمني ومسار تجفيف المنابع. واقتصر تجفيف المنابع في ذلك الوقت على استهداف “بزنس” الاخوان والجماعات المنبثقة عنها، وبطريقة امنية أيضان بهدف منع التمويل. لكن تلك الجماعات كانت قد ملأت بالفعل فراغا خلفته الدولة في عصر الانفتاح الاقتصادي غير المحسوب. إذ انتشرت في السبعينيات المستوصفات (عيادات طبية جماعية منخفضة التكاليف) في الاحياء الشعبية موظفة أطباء من الجماعات أو مؤيديهم وموفرة خدمة صحية لا توفرها مستشفيات الدولة. بعض تلك المستوصفات كان ملحقا بمساجد تضم أيضا “أعمالا” أخرى كالمشاغل وغيرها من ورش الأنشطة التي تشغل الناس وتدر ربحا قليلا. وجمعت تلك الأعمال ما بين الوجه الخيري الديني والوجه العملي الاجتماعي/الاقتصادي.
لم يكن ممكنا للسطات “تجفيف” تلك المنابع وهي تفيد الناس العادية من فرص عمل إلى توفير خدمات تقصر فيها الدولة. لكن عدم القدرة على تجفيف المنابع تماما لم يكن فقط في مجال ما هو اقتصادي/اجتماعي، بل فكريا ايضا. فالسلطة تستخدم خطابا دينيا في توجهها للناس، ولديها مؤسسات دينية رسمية تضفي بها على نفسها طابعا يجعلها في وضع ازدواجية من “يريد ان يحرم غيره مما يحله لنفسه”. ولان شعوبنا متدينة بالفطرة، ولو كان تدينا سمحا طيبا في الاساس، الا ان دعوات ربط الدين بالدنيا التي تكسب الجماعات المتطرفة انصارا ومتعاطفين تطبقها السلطات ايضا بدرجة أو بأخرى، فتجد صعوبة في الدعوة للفصل فيما تمارسه غير منفصل. بقي ان سطوة الاعلام المملوك للدولة كانت وسيلة لتغليب خطاب السلطات على خطاب الجامعات، لكن تلك السطوة اخذت في الاضمحلال مع تعدد منافذ الاعلام الخاص ـ وبعضها ديني ـ التي اصبحت في بعض الحالات منابر فكر متطرف او متشدد.
لا يمكن تصور تجفيف منابع الارهاب دون الاخذ في الاعتبار كل تلك الروافد، من البيت الذي تدخله فضائيات التحريض على الفتنة والكراهية الدينية الى المدرسة التي تدرس فيها مناهج دينية لا تخلو من غلو (على اقل تقدير) إلى مؤسسات رسمية بها من يسمون “رجال دين” وهم في تشددهم اقرب لجماعات الاخوان وما انبثق عنها من متطرفين وارهابيين.

د.أحمد مصطفى
كاتب صحفي مصري

إلى الأعلى