السبت 27 مايو 2017 م - ٣٠ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / من أوروبا “بايرون” إلى أوروبا “يورو”: أهلاً بـ”الدراخما”

من أوروبا “بايرون” إلى أوروبا “يورو”: أهلاً بـ”الدراخما”

أ.د. محمد الدعمي

”للمرء أن يباشر حكاية اللورد بايرون مع بلاد الإغريق (اليونان) على أنها مرآة تعكس الاعتزاز الأوروبي باليونان، بوصفها أساس الثقافة الأوروبية الأصل. لذا يعد بعض الأوروبيين اليونان قلب أوروبا ومتحفها، بينما هم يعدون اليونانيين من العناصر الاثنية النادرة التي ترمز، باعتبار سحنة بشرتهم البيضاء وانوفهم المعقوفة قليلاً، لكل ما هو عظيم في الثقافة الأوروبية،”
ـــــــــــــــــــــ
عندما تخلى أشهر الشعراء الإنجليز بعد شكسبير، اللورد بايرون (1788-1824) عن حياته المرفهة، ارستقراطياً، كي يلتحق بحرب التحرير اليونانية ضد الأتراك العثمانيين، فإنه لم يكن يتوخى من هذه المغامرة النادرة سوى الحفاظ على اليونان وتراثها العظيم (الأوروبي المسيحي) من الهيمنة التركية (الآسيوية، المسلمة).
إلا أن هذا الشاعر الرومانسي البارز قد لقي حتفه اثناء التحضير للقتال في حرب التحرير أعلاه، ليس بسلاح ناري أو ابيض، وإنما بمرض الملاريا. وهكذا أغلق قيد واحد من أعظم شعراء الرومانسية الإنجليزية على نحو يستدر التندر. المفارقة تكمن في أن غيرته على منبع الحضارة الأوروبية هي التي دفعته الى اليونان.
للمرء أن يباشر حكاية اللورد بايرون مع بلاد الإغريق (اليونان) على أنها مرآة تعكس الاعتزاز الأوروبي باليونان، بوصفها أساس الثقافة الأوروبية الأصل. لذا يعد بعض الأوروبيين اليونان قلب أوروبا ومتحفها، بينما هم يعدون اليونانيين من العناصر الاثنية النادرة التي ترمز، باعتبار سحنة بشرتهم البيضاء وانوفهم المعقوفة قليلاً، لكل ما هو عظيم في الثقافة الأوروبية، من سقراط وأرسطو، ومن إقليدس والى هوميروس، من بين سواهم من بناة الحضارة الأوروبية. وهي تلك الحضارة الأوروبية التي تعتمدها الشعوب الأوروبية أساساً لمسح حضاراتنا في آسيا وإفريقيا بنظرة دونية: وعلة ذلك، حسب اعتقادهم، ذلك الشعور الأوروبي بالتفوق، باعتبار ان الثقافة الأوروبية، المستقاة من ينابيعها الإغريقية، تختلف عن العالم بأسره في أنها ثقافة ذاتية الانكفاء وذاتية الاعتماد، ثقافة أوروبية صرف لم تكن لتتطلب إسهامات الثقافات الأخرى لتتطور. إنهما فقط الثقافتان اليونانية والرومانية، هما اصل كامل الثقافات الأوروبية، أي أنهما جذراها الأساس.
للمرء أن يلاحظ ذلك اليوم، اي في سياق خذلان دول أوروبا للإغريق، خاصة وأن بلادهم تتأرجح اليوم على شفا هوة اقتصادية خانقة تركت ملايين اليونانيين لا يجدون ما يضعونه لأنفسهم ولأبنائهم على مائدة الطعام، مساء كل يوم. وقد قدمت التقارير الإخبارية لمحات من فقر الإغريق، عندما ظهر رجل يوناني مسن ليعلن بأنه لم يتناول طعام العشاء منذ أسبوعين، بسبب إخفاق الحكومات اليونانية المتتالية التي اعتمدت القروض الأوروبية، الواحد بعد الآخر، لتدوير عجلتها حتى وجدت نفسها فجأة غير قادرة على سدادها، ناهيك عن أنها وجدت نفسها غير قادرة على صرف مرتبات موظفيها، مدنيين وعسكريين. أما إذا ما كان المرء غنياً من عيار “أوناسيس” الذي اقترن بـ”جاكي” زوجة الرئيس الأميركي السابق جون كنيدي، فإنه يقع في دائرة سحر الفقر، لأنه غير قادر على سحب أكثر من سبعين دولاراً فقط من حسابه المصرفي، بمعنى أن ثرواته الأسطورية لم تعد تزيد عن أرقام محبرة على ورق اصم.
هذا كان هو الأساس المرير لعرض دول أوروبا الغنية عوناً نقدياً لليونان، ولكن شريطة أن تتبع حكومات اليونان سياسة “شد الأحزمة على البطون” على نحو قسري يؤدي، من بين نتائج سلبية أخرى، الى تقليص مرتبات الموظفين والمستخدمين الحكوميين وإيقاف مرتبات المتقاعدين، زد على ذلك حذف الكثير من الخدمات العامة، وبضمنها الصحية والبلدية، من بين إجراءات تقشفية صارمة أخرى شديدة الوطأة.
وعلى كل حال، فقد احتفل اليونانيون قبل بضعة أيام، بقيادة رئيس الحكومة اليساري، برفض الشعب الإغريقي (أبو الثقافات الأوربية) شروط الدول الأوربية الغنية مقابل حفنة دولارات المعونة أعلاه.
إن احتفال اليونانيين لا يخلو من بعد اعتباري قط: فهم يريدون إيصال صوتهم لأوروبا الغنية (ألمانيا، فرنسا، بريطانيا، خاصة) بأنهم لا يمكن أن يركعوا لإرادات الأغنياء، زد على ذلك، ما عكسته الاحتفالات الجماهيرية في اثينا من نظرة يونانية دونية للإتحاد الأوربي، باعتبار أنه لم يعد يقوَ على معاونة وحماية إحدى دوله عندما وقعت في ضائقة اقتصادية خانقة.
وإذا كانت نتائج الاستفتاء والاحتفاء به تظهر رفض اليونانيين لشروط أوروبا التعجيزية المشحونة بخيلاء الثروة والجبروت، فانها تعكس كذلك نفاد صبر اليونانيين مع العملة الأوروبية الموحدة، “اليورو”، التي لم تحترم الفلسفة الإغريقية ومنابع سواها من علوم الفرنجة: فعودٌ الى “الدراخما”، تلك العملة الوطنية التي كنا نبادلها بعلب السجائر اليونانية الفاخرة في سبعينيات القرن الماضي، بين ساحة “أموينا” ومرفأ “بيريوس”، وبين مرتفع الاكروبوس وجزر اليونان المنثورة عبر البحر المتوسط التي شهدت أولى الصدامات بين الشرق والغرب، آسيا واوروبا.

إلى الأعلى