الإثنين 23 يناير 2017 م - ٢٤ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / بغداد وأربيل .. هل حان وقت الافتراق؟

بغداد وأربيل .. هل حان وقت الافتراق؟

احمد صبري

عادت أزمة الثقة بين بغداد وأربيل إلى واجهة المشهد السياسي، ما ينذر بأزمة لا تشبه الأزمات التي شهدتها العلاقات بين الطرفين لا سيما وأن كردستان أصبحت أقرب إلى إعلان الاستقلال وفك ارتباطها بالمركز، خصوصا وأن حكومة العبادي واستنادا لضغوط الوضع الأمني والضائقة المالية غير قادرة على تنفيذ مطالب الكرد لا سيما المالية والسياسية.
والأزمة بين بغداد وأربيل ليست وليدة الأحداث التي تلت سيطرة “داعش” على الموصل ورحيل المالكي، وإنما أسبابها الدستور وتحديدا المادة 140 منه الذي أبقى العلاقة بين الطرفين عائمة وغير واضحة المعالم.
ومثل ما وصف نائب الرئيس الأميركي جو بايدن كركوك بأنها قنبلة موقوتة فإن هذا الوصف ينطبق على المادة (140) من دستور العراق المختلف عليه.
وفتحت المادة المذكورة الباب أمام التفسيرات المتعلقة بالمناطق (المتنازع عليها) بين الأكراد والعرب في محافظات كركوك وصلاح الدين وديالى وهي مناطق يعتقد الأكراد أنها استقطعت في الماضي وألحقت في المحافظات المذكورة.
فالمادة 140 لم تحسم المناطق المتنازع عليها بشكل دقيق، وترك أمر حسمها للفرقاء، فأصحبت عائمة من دون حل حاسم، وحددت لها سقوف زمنية، إلا أن حساسيتها دفع القائمين على العملية السياسية إلى تأجيلها لأكثر من مرة.
واستثمر الأكراد الأوضاع غير المستقرة، وضعف الحكومة المركزية، والخلافات السياسية بين أطرافها في تكريس تواجد قوات البشمرجة الكردية في المناطق المتنازع عليها من دون تواجد للقوات الحكومية في تلك المناطق بغياب الحلول المتعلقة بعائدية المناطق المنصوص عليها في المادة 140 لا سيما بعد سقوط الموصل.
فلم يقتصر الخلاف على المناطق المستقطعة كما يصفها الأكراد، وإنما تعدى ذلك إلى أسس الشراكة والتحالف الاستراتيجي بين الأكراد والتحالف الوطني وانعكاسه على خريطة التحالفات السياسية بشكل عام. فالحكومة المركزية رأت في تمدد قوات البشمرجة في المناطق المتنازع عليها، واستغلال تداعيات الانهيار الأمني بأنه تكريس لواقع يتقاطع مع سلطتها المركزية ومرجعية جميع القوات إلى القائد العام للقوات لمسلحة العراقية وهو رئيس الحكومة حيدر العبادي.
وحاولت الحكومة العراقية تفادي الغياب الحكومي في المناطق المتنازع عليها، فشكلت قيادة قوات دجلة مهمتها إدارة الملف الأمني في تلك المناطق في محاولة لتطويق آثار التمدد الكردي. وردت القيادة الكردية على الخطوة الحكومية بتشكيل قيادة قوات حمرين من تشكيلات البشمرجة لمواجهة أي احتمالات مستقبلية.
وعلى الرغم من أن حكومة العبادي استهلت عهدها باتفاق مؤقت مع إقليم كردستان، إلا أنه كان هشا ومحاولة لتجاوز أزمة المالكي مع الأكراد، إلا أنه لم يعِد الثقة بين الطرفين أو يوقف خطوات الأكراد نحو الاستقلال. وتنازع الصلاحيات بين المركز وإقليم كردستان كان وما زال موضع قلق وخلاف بين الحكومة المركزية وسلطة إقليم كردستان، والخلاف المحتدم حول عائدية المناطق المتنازع عليها ومرجعية القوات المسلحة أدى إلى انقسام بين أركان الحكم حول آلية التعاطي معه في ظل أزمة أمنية وسياسية عطلت الأداء الحكومي وشلت حركته. غير أن رئيس الوزراء السابق نوري المالكي وجد في صراعه مع الأكراد يحقق له عدة أهداف أولها حشد واستمالة قوى سنية عربية تعارض الطموحات الكردية.
في المقابل يعتقد الأكراد أن إثارة مرجعية القوات المسلحة، وتسليح البشمرجة الكردية بأسلحة تفوق قدرات الجيش العراقي، وتهرب الحكومة من تنفيذ بنود المادة 140 المتعلقة بالمناطق المتنازع عليها وحسم عائديتها، فضلا عن التخصيصات المالية لإقليم كردستان في الموازنات العراقية، كلها ملفات عالقة لم تحسم ورثها العبادي من سلفه المالكي.
إن تنازع الصلاحيات بين بغداد وأربيل سيخضع للمساومات والصفقات السياسية، وميزان القوى بين طرفي الأزمة سيبقى مختلا ومتأثرا بالاستقطاب الطائفي والعرقي، ونتائج المعركة مع “داعش”، وتأثيرات الأزمات التي تعيشها المنطقة عموما.

إلى الأعلى