الثلاثاء 12 ديسمبر 2017 م - ٢٣ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / نتنياهو وتحديات الملف الداخلي

نتنياهو وتحديات الملف الداخلي

علي بدوان

تواجه حكومة الائتلاف الجديدة في “إسرائيل” بقيادة بنيامين نتنياهو تحديات كبرى، سياسيسة وقتصادية واجتماعية، لكن التحدي الأكبر المتوقع في طريقها فهو التحدي المتعلق بالملف الداخلي الاقتصادي والاجتماعي، حيث يتراكم الاحتقان داخل المجتمع “الإسرائيلي” في ظل تصاعد مطالب الناس الحياتية اليومية، وهو ما يذكرنا بمظاهرات تل أبيب الاحتجاجية قبل ثلاثة أعوام، حيث عمت المظاهرات الكبرى في تاريخ “إسرائيل” التي لم تكن من أجل السلام أو التسوية مع الفلسطينيين أو العرب بشكل عام بالمعنى المباشر، أو بسبب إخفاقات في الحرب على قطاع غزة، أو بسبب من السياسات الخارجية لحكومة نتنياهو السابقة، بل كانت من أجل الإصلاحات الاجتماعية حين رفع المشاركون نداءهم “الشعب يطلب بالعدالة اجتماعية”، وقد بينت تلك المظاهرات إن عددًا كبيرًا من الجمهور “الإسرائيلي” خرجوا من عدم الاكتراث وأصبحوا مشاركين اجتماعيًّا وسياسيًّا، وقد نادوا بمطالب محددة، تتعلق بإحداث تغيير جذري شامل في سياسات الحكومة الاقتصادية الاجتماعية، حيث دعت التصريحات المتكررة لقادة الحركة الاحتجاجية إلى تقليص الهوة بين شرائح “المجتمع الإسرائيلي”، وإلى خلق تماسك اجتماعي متين قائم على الاستجابة للحقوق الاقتصادية والاجتماعية للطبقة الوسطى والشرائح الفقيرة والضعيفة. وطالبت كذلك بمحاربة الغلاء وفرض رقابة حكومية على أسعار المواد الأساسية وجعل الإسكان في متناول شرائح المجتمع المختلفة ورفع مستوى الحد الأدنى للأجور. فهل يتوقع أن نشهد تحولات داخلية “إسرائيلية” لها علاقة بهذا الشأن ..؟
نبدأ القول بأن “الحكومات الإسرائيلية” المتعاقبة كانت تعمل دومًا على تحقيق معدلات دخل مرتفعة لعموم الناس، وإلى تقديم مختلف صنوف التأمينات الاجتماعية للسكان، والغاية كانت دائمًا توفير المزيد من عوامل الجذب لليهود من دول العالم للهجرة والاستيطان نحو فلسطين المحتلة “أرض السمن والعسل الموعوده”، والحد من احتمالات الهجرة المعاكسة التي كانت تظهر من حين لآخر بشكل كاد يقلق قادة الكيان الصهيوني.
وفي الوقت ذاته، كانت وما زالت التشققات داخل “المجتمع الإسرائيلي”، تدفع بفئات كثيرة نحو القاع الاجتماعي، وهو ما دفع في فترات معينة أواخر ستينيات القرن الماضي لولادة مجموعات من اليهود أنفسهم، ذات تكوين طبقي مسحوق مثل “حركة الفهود السود” بقيادة شارلي بيطون، وحركة (ماتسبن) أو (البوصلة) لكنها بقيت على مستوى معين من الانتشار ومن التأثير والفعل، ولم تتحول إلى مجموعات ذات امتداد وحضور كبير بين الناس، لكنها حملت في أحشائها مكنونات مهمة عبرت عن طبيعة هذا الكيان وآفاق مستقبله في ظل عملية الصراع الدائر في المنطقة، وتعاظم الدور الكفاحي للشعب العربي الفلسطيني.
السياسة الضريبية التي تتبعها الحكومة “الإسرائيلية”، حين يرى الناس في “إسرائيل” بأنها تثقل كاهل دافعي الضريبة من صغار وكبار التجار ورجال الأعمال، وتقتطع من أموالهم مبالغ كبيرة، إلا أنها لا يؤدي لهم بالمقابل خدمات تشجيعية، تنعش تجارتهم، وتحسن أعمالهم، وتجذب إلى مشاريعهم رؤوس أموالٍ جديدة، بل إن سياسته الضريبية قد أدت إلى نفور رؤوس الأموال، وهروب رجال الأعمال، وتعطل مشاريع كبيرة كان يعول عليها كثيرًا في إنعاش الحياة الاقتصادية الإسرائيلية، ولهذا يتساءلون: أين تذهب أموال الضريبة، ومن هي الجهات التي تستفيد منها؟ ولماذا لا تراعي الحكومة الركود الاقتصادي العالمي، والأزمات الاقتصادية الكبرى التي باتت تهز الأنظمة والكيانات الاقتصادية العالمية؟
ويمكن القول بأن اتساع الهوة بين الفقراء والأغنياء، وتأكل الشرائح الطبقية الوسطى، ووجود متسع كبير من الفوارق الاجتماعية بين الناس فيها، إضافة لوجود هوة متزايدة يومًا بعد يوم بين المجموعات الإثنية المشكلة للدولة الصهيونية، وتحديدًا بين اليهود من مختلف القوميات التي انحدروا منها أساسًا كانت وما زالت عوامل أساسية بعيدة في نشوء تلك الهبات الاحتجاجية التي لم تصل إلى درجة الذروة حتى الآن.
فالحراكات الجارية داخل “إسرائيل”، وإن بدت بطيئة نسبيًّا، إلا أنها تخفي وراءها ما تخفيه من سيل التناقضات الكامنة داخل قاع هذا الكيان الذي قام على أنقاض الكيان الوطني والقومي للشعب العربي الفلسطيني.
فجذور الأزمة ترجع في جانب مهم منها (ليس وحيدًا) إلى وجود الفوارق الكبيرة بين الناس وفي السياسة الاقتصادية الاجتماعية التي اتبعتها “الحكومات الإسرائيلية” منذ أكثر من عقدين، والتي تمثلت في التخلي عن دولة الرفاه واتباعها نهج الاقتصاد الحر والخصخصة وتقليص الإنفاق على الخدمات العامة كالتعليم والصحة، وهو ما أضر بشكل كبير بقطاعات الشباب والشرائح الطبقية الوسطى التي بدت حياتها الاجتماعية والاقتصادية تتأرجح كل يوم منذ سنوات خلت.
من هنا، إن حدة التناقضات داخل “إسرائيل” لا تقف عند حدود التناقضات بين مجاميع اليهود وفق أصولهم القومية والإثنية فقط، بل تتعدى ذلك نحو الولادة المتتالية للفوارق في نمط الحياة مع اتساع الفوارق الطبقية الاقتصادية والاجتماعية بين مجاميع اليهود ذاتهم، فالبون شاسع في الجوانب تلك على سبيل المثال بين اليهود الشرقيين (السفارديم) وبين اليهود الغربيين (الأشكناز)، وبين يهود “إسرائيل” من ذوي الأصول الأوروبية الغربية (اليهود الأمراء) وبين يهود إثيوبيا (الفلاشمورا) على سبيل المثال الذين باتوا يمثلون (حثالة البروليتاريا) وفق الأدبيات الماركسية والاشتراكية العمالية التي تنتمي إليها العديد من أحزاب “إسرائيل” خصوصًا حزب العمل “الإسرائيلي” الحزب المؤسس لدولة “إسرائيل”، وكتلة ميرتس التي تدعي بأنها تمثل تيار “اليسار الصهيوني”.
إن من المنطقي، في ظل التركيبة الطبقية لعموم المجتمع “الإسرائيلي” أن تكون شرائح من الطبقة الوسطى في “إسرائيل” هي رأس الرمح في قيادة الحراكات الاجتماعية، بخلاف حركات الاحتجاج “الإسرائيلية” السابقة (ذات الطابع الاجتماعي والسياسي) التي قامت بها الشرائح المسحوقة من اليهود الشرقيين (السفارديم) مثل مجموعة (الفهود السود) ومنظمة (ماتسبن/البوصلة)، والحركات التالية المتفرقة ليهود (الفلاشمورا) الذين استفاقوا على خلفية التمييز ضدهم داخل “إسرائيل” من جميع النواحي المتعلقة بالمكاسب والحصص الاجتماعية ومكان السكن وظروفه، إضافة لظروف التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية وذلك بعد سنوات قليلة من قدومهم إلى أرض فلسطين منتصف ثمانينيات القرن الماضي بعد مؤامرة ترحيلهم من إثيوبيا والتي شارك فيها الرئيس السوداني الأسبق جعفر النميري.
أخيرًا، تُدرك الشرائح الطبقية الوسطى في “إسرائيل” والتي تشكل قطاعًا مهمًّا داخلها، بأن المكونات الرئيسية لهيكلية وحضور وسطوة الجهات المتنفذة في “إسرائيل” مكونة من ثلاثة أطراف، أولها الأجهزة الأمنية بأذرعها المختلفة ومعها “الجيش الإسرائيلي”. وثانيها أصحاب رؤوس الأموال، الذين لا وطن لهم سوى وطن الاستثمارات والتشغيل، وإقامة الإمبراطوريات المالية بالتحالف مع الكارتلات العالمية. وثالثها مجموعات الأكليروس من اليهود المتدينين والمتطرفين منهم على وجه الخصوص، الذين يستنزفون الموارد المالية العامة كما تستنزفها معهم المستوطنات المقامة فوق الأرض المحتلة عام 1967.

إلى الأعلى