الخميس 27 يوليو 2017 م - ٣ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / العبودية الحديثة عند العرب!

العبودية الحديثة عند العرب!

جواد البشيتي

تَصَدَّر عدد من الدول العربية قائمة البلدان التي تنتشر فيها مظاهر كثيرة من مظاهر “العبودية الحديثة”؛ ولقد أظهر تقرير سنوي صادِر عن مؤسسة “ووك فري” أنَّ نحو 36 مليون شخصًا يعانون من أشكال العبودية الحديثة في 167 دولة حول العالم.
والتقرير يُعرِّف “العبودية الحديثة” على أنها “امتلاك فرد، أو التحكم فيه بطريقة تحرمه كثيرًا من حريته الشخصية بغرض استغلاله بطرائق شتَّى كاستخدامه، أو إدارته، أو التربح من ورائه، أو نقله من مكان إلى آخر، أو التخلص منه”.
ومن صور الاستغلال التي اعتمدها التقرير دليلًا على العبودية: الإجبار على ممارسة الدعارة، والاستغلال الجنسي، والعمل الجبري، والزواج القسري، وبيع واستغلال الأطفال؛ إضافة إلى الأعمال التي يُجبر الفرد على أدائها بالتهديد بالعقاب.
أحد العبيد (في اليمن) نال حرِّيته قبل بضع سنوات؛ فإنَّ أحد “الأحرار”، أو “الأسياد”، اشتراه، ثمَّ “عتقه” تكفيرًا عن ذنب ارتكبه هذا “السيِّد”.
“سيِّد” آخر لم يرَ “إثمًا” في وجود “عبيد” و”جواري” لديه، وسعى في إثبات أنَّ احتفاظه بالجواري ليس بالأمر الحرام دينيًّا، وأنَّ “عَتْق عبيدٍ” هو السبيل إلى التكفير عن الذنوب والآثام التي يرتكبها هو، أو قد يرتكبها؛ فكيف له أن يعتق عبدًا، أو يحرِّره، إذا لم يكن مالكًا له؟!
“مُصْلِحَة اجتماعية” عربية دَعَت إلى الاستعجال في سَنِّ قانون (عصري) للجواري، حمايةً للرجال من الفساد، وللأبناء من شَرِّ الزنا، وللمجتمع من الأمراض والمعاصي؛ إنَّها دعوة صريحة إلى العودة إلى “عصر الجواري (والإماء)” في القرن الحادي والعشرين. و”المشكلة” التي أرادت هذه “المُصْلِحَة” حلَّها هي أنَّ الرِّجال في مجتمعنا يُكْثِرون من “مصاحبة النساء”، ويتَّخِذون البنات خليلات لهم من دون زواج، فيضيعون دينهم، ويأتون بالمعاصي، ويُنْجِبون “أطفال الزنا”، ويتسبَّبون بنقل الأمراض.
وبعد إعمالها التفكير، قالت إنَّ الحل يكمن في “إحياء نظام الجواري”، مع وَضْع “ضوابط قانونية له”؛ لكن من أين تأتي بـ”الجواري”؟ في الإجابة، اقترحت “المُصْلِحة الاجتماعية” استقدام الجواري من روسيا (ومن دول أخرى غير إسلامية) داعيةً إلى جَعْل “سبايا الروس” لدى “الشيشان” جواري لدى رجالنا!
الشيخ المصري أبو إسحق الحويني تحدَّث عن “ضرورة العودة إلى نظام الرِّق والاستعباد، وسَبْي النساء الكافرات، واتِّخاذهن جواري (للرجال المسلمين الأثرياء)”، معتبرًا أنَّ في هذه “العودة” خير حلٍّ للمشاكل الاقتصادية، وأنجع دواءٍ للفقر”؛ أمَّا الداعية الإسلامي صالح الغانم فرأى أنَّ امتلاك الجواري بالحرب هو أمر جائز “إذا ما خيضت الحرب تحت راية ولي الأمر”، الذي “يحقُّ له وحده التصرُّف بالسبايا كيفما يشاء؛ فله أنْ يقتلهن أو يوزِّعن على الرجال المسلمين”.
كنتُ في زيارة لصديق ميسور الحال (أي من بقايا الطبقة الوسطى في مجتمعنا) مثقَّف ببقايا من ثقافته اليسارية، فإذا بخادمة المنزل، وهي سريلانكية، ترتكب خطأ صغيرًا في أمرٍ منزلي. صديقي استشاط غضبًا قائلًا لي: لقد صدق من قال لا تشترِ العبد إلاَّ والعصا معه.
قوله هذا ذكَّرني بليبرالي أوروبي كبير، سُئِل في مقابلة صحافية “من هو الزنجي؟”، فأجاب على البديهة قائلًا “إنَّه عَبْد”!
وها هو صديقي، وهو ابن مجتمعٍ ما عادت عائلاته تستطيع تدبير أمور حياتها اليومية من دون “الرِّق المنزلي”، يقول الشيء نفسه.. “السريلانكية هي عَبْد”، ينبغي لنا ألاَّ نشتريه إلاَّ والعصا معه!
وهذا القول (لا تشترِ العبد إلاَّ والعصا معه) استوقفني هو أيضًا، فتساءلتُ في نفسي “لماذا.. لماذا ينبغي لنا، أي لهم، ألاَّ نشتري العبد إلاَّ والعصا معه؟”
ولقد أدهشني الجواب الذي أجبته في نفسي أيضًا، فالعبد، وبحُكم كونه عبدًا، وبُحكم كون العبد إنسانًا لا يمكن أبدًا أن يكون راضيًا عن حاله، وإنْ أظهر خلاف ذلك عن اضطِّرار، لا يُمْكِنكَ (ولا يُمكِّنكَ هو من) أن تسوسه وتقوده وتحكمه وتحتفظ بالسيطرة عليه.. إلاَّ بالعصا، فهو بها (ولكن ليس بها وحدها) أصبح عبدًا، وبها، من ثمَّ، يستمر عبدًا.
هذا هو سرُّ العصا (الظاهرة والخفية) التي بها تُساس أمورنا بغير عقل..!
قديمًا، كانوا يوثقون العبد في الوثاق؛ لأنَّ روح الإنسان فيه كانت حرَّة تقاوِم؛ وحديثًا، انتفت الحاجة إلى القيد والغل والصفد، فتحرَّر الجسد؛ لأنَّ الروح ارتضت العبودية، نمط عيش وتفكير، فكم من إنسان أوثقوه بالقيد؛ ولكنْ ظلَّ حرًّا؛ لأنَّه رأى القيد قيدًا، وسعى في تكسيره، ولم يتخلَّق بأخلاق العبيد، فيَنْظُر إلى قيده على أنَّه نعمة؛ وكم من إنسان كان حرًّا من القيود؛ ولكنَّه ظل عبدًا؛ لأنَّه تخلَّق بأخلاق العبيد، فعجز عن رؤية القيد في عقله وروحه وإرادته!

إلى الأعلى