الأربعاء 29 مارس 2017 م - ٣٠ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / نفاق أوروبي وولولة صهيونية!

نفاق أوروبي وولولة صهيونية!

عبداللطيف مهنا كاتب فلسطيني

نقطة الضعف القاتلة التي تستوطن العقل الجمعي الصهيوني وتشكِّل عقدته المزمنة والأبدية، هي آفة الإحساس الدائم والمستحكم بالغربة واللامشروعية، أو هاتان اللتان بالضرورة لا بد وأن تسما كيانًا استعماريًّا استيطانيًّا إحلاليًّا في منطقة أُفتعل وزرع فيها عنوةً وفرض وجوده عليها بالقوة، وهي لا تملك، نظرًا لحقائق التاريخ وأقانيم الجغرافيا وخصوصيتها الحضارية، إلا أن ترفضه وتقاومه وتلفظه…لذا، ومنذ بدء الصراع المرافق لإيجاده وما دام موجودا، اعتمد، إلى جانب دوره الوظيفي في خدمة موجده المشروع الاستعماري الغربي، بنسختيه القديمة والمتجددة، على ثلاث:
أولاها، العلاقة شبه العضوية مع مصطنعيه الغربيين بعناوينهم الأوروبية المختلفة أهمياتها بداية، وأهمها كان البريطاني، ثم رسوها مبكرًا على عنوان هذه العناوين جميعًا الولايات المتحدة الأميركية، والتي تجلت في كافة المجالات البينية العسكرية والسياسية والاقتصادية والعلمية والإعلامية، وصولًا إلى ارتقائه كونيًّا بفضل خصوصية هذه العلاقة إلى موضع العصمة والمافوق المساءلة ومن يجوز له ما لا يجوز لغيره في كل ما يتعلق بخرقه الدائم، وجودا وممارسةً، لكل الأعراف والمواثيق والقوانين المتعارف عليها دوليًّا، وكافة ما تنص عليها الشرائع السماوية والأرضية.
والثانية، الاعتماد الدائم والمضمون على صانعيه، بدايةً وراهنًا وإلى ما شاء الله، في تحوُّل كيانه الطارئ المدجج إلى ثكنة حرب كاملة الأوصاف، فاستحق مأثور وصفه بجيش له كيان وليس كيان له جيشًا، يعد واحدًا من أقوى جيوش العالم، لما وفره له عرابوه من آلة موت فاتكة وهائلة ومتطورة، ترفد لحظة بلحظة بآخر ما يصل إليه العقل الغربي الجهنمي من ابتكارات الإبادة والتدمير، بدءًا من الطلقة وحتى القنبلة النووية، مرورًا بالقباب الحديدية والسياسية والاقتصادية وما بينهما الاستخباراتية والمؤامراتية.
والثالثة، ضعف المقابل العربي في مواجهته، عجزًا وفرقةً وخنوعًا وتواطؤًا واستتباعًا لسادة هذا الكيان وضامنيه والمستثمرين فيه. ولعل في راهن الواقع العربي ما يجعل منهدرة درر هاته العوامل الثلاثة التي يعتمد عليها هذا الكيان، الهش بالرغم من كل ما يتوفر له، في تثبيت وجوده الغاصب واستمرارية عدوانيته المتأصلة واستفحالها.
هذا التدليل المفرط، الذي تحظى به هذه الثكنة العدوانية المتقدمة من المركز المستثمر لعدوانيتها، مكمن سر ما تبديه من دلع زائد عن الحد، بل والبالغ أحيانًا حدود العجرفة وحافة الجنون، إن صدف وإن أبدى حليفها، نفاقًا في الغالب، أو استحياءً نادرًا، أو لما يراه مصلحةً له ولإسرائيله، لقليل صد تجاه مدللته، إذ سرعان ما تنبعث في أطنابها كوامن الفوبيا الوجودية الغافية من رقادها ليتجاوز سعارها مناخات ردود الأفعال المتسمة بالمبالغة إلى اللامتزنة، وتتعالى الولولة آنما لاح ما قد يوحي ببارقة لمثل هكذا صدود خادع، حتى ولو كان نفاقًا أو حرصًا… لنضرب أمثلةً:
اضطرار دول من مثل بريطانيا وفرنسا وألمانيا وهولندا، والمعروفة تاريخيًّا بما لا حاجة لذكره مما قدَّمته وتقدمه للكيان الصهيوني، لتبني تقرير لجنة تحقيق مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة المؤشِّر على ارتكاب الصهاينة لجرائم حرب إبان حربهم الأخيرة على غزة، رغم أن هذه الدول ما كان بوسعها تجاهلًا أو إنكارًا لما وثَّقته صوتًا وصورةً كاميرات التلفزة الكونية وشهده العالم لحظةً بلحظة، ثم أن هذا التبني المكرهة عليه ما كان منها لولا أن في صلب هذا التقرير ما ينفي عدالته ويشوب أخلاقية مقرروه، وهو مساواته للضحية بالجلاد باتهامه المقاومة المشروعة جزافًا بمثل ما ارتكبه المعتدي الغاشم.
وكذا راهن هذه الولولة المبالغ فيها حول خطر نمو ظاهرة الدعوات الحقوقية الأوروبية للمقاطعة الاقتصادية والثقافية للكيان الصهيوني مؤخرًا، وبدايات تنامٍ لتعاطف شعبي نسبي مع مظلومية لحقت بشعب وأمة أسهمت أوروبا الرسمية أيما إسهام في صناعتها وديمومتها، رغم أن الصهاينة يقبعون في دهاليز القرارات الأوروبية ويعلمون أكثر من سواهم أوجه حصاناتها من تأثير هذا النوع من التحركات الأهلية، التي تظل، على أهميتها، هامشية ولا تطول موائد اتخاذ القرارات ذات السمة الاستراتيجية ومنها علاقة أوروبا بإسرائيلها.
“بنك إسرائيل”، مثلًا، ينبِّه إلى أن 30% من صادرات الكيان تتجه إلى أوروبا و41% من وارداته تأتي منها، وعليه، يدق ناقوس الخطر محذرًا من خسارة 22 مليار دولار كنتيجة لهذه التحركات، مع علمه أن غالبية هذه الصادرات هي منتج شركات غربية متعددة الجنسيات لها مراكز في فلسطين المحتلة وشركات صهيونية لها فروع أوروبية، ولذا يحاجج نتنياهو ساخرًا بأن الضرر الأوروبي من المقاطعة، إن كانت، هو الأكثر، ويزيد فيهدد الأوروبيين مبتزًّا بالتحول نحو آسيا، الأمر الذي هو حادث فعلًا ومنذ أمد، إذ امتدت علاقة الصهاينة الاقتصادية والتسليحية وتبادل المنافع الاستخباراتية إلى بقاع عديدة من القارة الواعدة بتصدر عالمنا في مقترب الأعوام.
هناك من العرب من تستثيرهم فتخدعهم مثل هذه الولولة الصهيونية الفاجرة والمبالغ فيها، فيبالغون بدورهم في توهُّم كثير خير من إشارات النفاق الأوروبي، ويعلقون آمالًا أكثر مما يسمح بها الواقع الموضوعي على التحركات الشعبية الداعية للمقاطعة، وهي وإن كانت المهمة على المديات الأبعد ويمكن التعويل تراكميًّا عليها، لكنما يجب أن لا يغب عن البال عضوية العلاقة بين الأم الأوروبية ولقيطها، ولا إغفال استراتيجيتها وتشعُّباتها وتعقيداتها وشموليتها لعديد المناحي الأخرى التي لا تقتصر على السياسية والاقتصادية والأمنية…

إلى الأعلى