الجمعة 22 سبتمبر 2017 م - ١ محرم ١٤٣٠ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / مبنى النظرية الهرمية في معرفة الأصل الأولي في تعامل الباري مع البرية (24)

مبنى النظرية الهرمية في معرفة الأصل الأولي في تعامل الباري مع البرية (24)

اعداد ـ هلال اللواتي:
الرسالة السماوية رمزيةٌ مختزلةٌ وقت تجليها على قلب الرسول: فكما تبين سابقاً .. فإن عالم السماء ليس كالعوالم المادية، فمع نظرنا إلى عوالم المادة سنجد كل تعاملاتها وصورها وأشكالها وتجلياتها مادية؛ إلا أن عالم السماء يختلف عن هذه الصور والتعاملات والأشكال .. إذ هو عالم “التجرد”، وبما أن “عالم السماء” عالمٌ “مجرد” فإن ما سيكون فيه سيأخذ حكمه، هذا يعني لابد من التعامل معه بمعاييره وموازينه لا من خلال معايير وموازين عالم المادة، ويمكننا أن نقول: أن لغة عالم السماء تحكمها أحكام “الرمز” ، وأحكام “الإختزال”، والمسألة ليست مستحيلة الفهم، وقد شرحناها لكم سابقاً فليراجع المحل.
وكما عرفنا أن السماء لها تجليات معرفية، وتتمظهر في رسالتها وفي كتاب مختص، وكما عرفنا أيضاً بأن هذا الكتاب وقت تجليه من قبل “الله” تعالى يكون بلغةٍ مجردةٍ، وتجري عليه أحكام “الإختزال” و “الرمزية”، وهي لغة عوالم التجرد المطلق، وأن هذا الكتاب السماوي لابد من أن يوجد في صياغةٍ تستطيع أن توفي متطلبات الجهتين:
الجهة الأولى: عالم السماء المجرد، فإستيفاء حاجة ومتطلبات هذا العالم يكون بحفظ كل معارفها التي يراد ظهورها للعباد، ومن دون أية نقيصة، ولا زيادة، ولا تبديل، ولا أن تكون على نحو شرح المعاني والمفاهيم، بل أن تكون هي هي، فلابد لهذه الصياغة أن تتلائم وطبيعة عالم تنزلها الذي صدرت منه، وهو ليس عالم الحروف الأبجدية، أو أي حرف من حروف اللغة الأرضية.
الجهة الثانية: عالم الأرض والناس، فاللغة التي يتكلمون بها هي لغتهم الخاصة، وهي تختلف عن لغة السماء المجردة، فلابد من أن توضع تلكم المعارف السماوية الغيبية في قالب يمكن الإنسان من معرفة ما تريده إرادة الله منه، وبدقة وأمانة عاليتين جداً، ولا ينبغي أن تكون الصياغة صياغة شرحية، بل لابد من أن تكون “بيانية”، واضحة.
فإيجاد مثل هذه الصياغة التوفيقية، القادرة على إستيفاء متطلبات الجهتين ليس بالأمر السهل، فكما بينا إن ما يصدر من جهة السماء لابد وأن يكون على شكل رموزٍ عالية المضامين، ومختزلةٍ لمعارفها أيَّمّا اختزال، ولابد هنا أن يكون المتلقي لإرشادات السماء ولأوامره – حيث أن من أهم وظائفه حملها وتبليغها إلى أهل الأرض – على :
- مستوى عالٍ من القدرة على استيعاب المعاني والدلالة المختزلة كلها.
- مستوى عالٍ من الفهم لرموز الرسالة.
- مستوى عالٍ من ترجمتها إلى اللغة الأرضية المناسبة وبدقةٍ متناهيةٍ.
وقد يقال هنا: وكيف يمكن أن يترجمها بدقة متناهية؟!.
الجواب: ليس ما نقصده من الترجمة أن يقوم “الرسول” بشرح العبارات بالمعنى، كما هو حال المترجم التي ينقل المعاني للكلمات ليفهم مقصود المتكلم، ولكن هنا في عالم “بيان” “المراد الإلهي” فلابد من أن يكون تعريفاً حرفياً، لا أن يكون التعريف بالمعنى، والفارق بين الشرح للعبارة مثلما يفعله المدرس، وبين ما نقصده كبيرٌ جداً، ويمكن تقريب هذا المطلب بـ”الصورة” التي تحوي على نسختين، النسخة المصورة، وهي الصورة التي يود صاحبها إستعمالها في الدوائر الخاصة أو العامة، والنسخة الأخرى هي النسخة التي تعرف ويصطلح عليها بـ”النسخة السلبية”، وهي التي يحتفظ بها صاحبها لأجل إستنساخ صور أخرى شبيهة بالأولى، فالصورتان هما هما، ولكن الفارق بينهما كمت عرفته، فكذلك الحال بين ما يتلقاه “الرسول” وبين ما يبثه هو ما عرفته من أمر الصورة، فتأمل.

إلى الأعلى