الأربعاء 24 مايو 2017 م - ٢٧ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / عَجبي..إخفاقات اليونان بسبب الفلسفة!

عَجبي..إخفاقات اليونان بسبب الفلسفة!

د. فايز رشيد

” الفلسفة تعني: البحث والتمحيص في الفكرة/الظاهرة الوجودية في الطبيعة, والعلاقة الجدلية بين الإنسان والظواهر. كما تبحث في العلاقة بين الفرد والمجتمع, وبين الأخير والسلطة. الفلسفة تنبع من محاولة الوصول إلى الحقيقة النسبية ,اعتمادا على مبادىء التأمل, النقد والتحليل. الفلسفة بالمعنى الحرفي لها هي : “محبة الحكمة”.”
ـــــــــــــــــــــــ
أغرب التعليقات المنشورة: ما قالته إحداهن: أن أزمات اليونان بسبب تمسكه بفلسفة: أفلاطون , أرسطو وسقراط .. مضيفة بالحرف “خلي الفلسفة تنفعهم”!. أذهلني التعلق! وبغض النظر عن دوافعه, إلا أنني أفترض بصاحبته “الجهل” حتى بأية مفاهيم بسيطة عن الفلسفة!. لومي لها يتمثّل في جملة واحده ” أنها أفتت دون علم “!, وهذا هوالجهل بعينه. الأخير وفقا لأفلاطون أحد آباء الفلسفة اليونانية هو “أصل كل شر”, وهو “وهم بالمعرفة” – ستيفن هوكنغ , وهو من “أقبح الصفات الإنسانية ” وفقا للكواكبي, و ” من لم ينفعه العلم, يقيه من شر الجهل على الأقل” ـ ماركس.
الفلسفة تعني: البحث والتمحيص في الفكرة/الظاهرة الوجودية في الطبيعة, والعلاقة الجدلية بين الإنسان والظواهر. كما تبحث في العلاقة بين الفرد والمجتمع, وبين الأخير والسلطة. الفلسفة تنبع من محاولة الوصول إلى الحقيقة النسبية ,اعتمادا على مبادىء التأمل, النقد والتحليل. الفلسفة بالمعنى الحرفي لها هي : “محبة الحكمة”. وتوصف في بعض الأحيان بـ “التفكير في التفكير”. الفلسفة هي أيضا دراسة للفن والعلوم,عدا عن كونها محاولة لبناء نظرة شمولية للكون في إطار من الواقعية المُفسّرة. الفلسفة هي أيضا دراسة ظواهر ما وراء الطبيعة (الميتافيزيقيا), وهي دراسة أيضا لـ : المنطق,الجمال, الدين, العلم. الفلسفة هي جزء من حضارة كل أمة. الفلسفة هي جزء مهم من حياة كل إنسان . بالفلسفة نستطيع تحديد معنى الحياة,كشف الغموض والوصول إلى الحقيقة المبنية على المعرفة.
اليونان هي المصدر الرئيسي للفلسفة, وليس صدفة أن أُلحقت بها لاحقا كلمة “الإغريقية” لتصبح “الفلسفة الإغريقية”, في تأكيد نسبتها لليونان. الفلسفة ابتدأت منذ قرون طويلة قبل الميلاد مع فيتاغوروس والعديدين غيره: ومنهم أنكسيمايدر, إبيرون, بارميندس وغيرهم .. وصولا إلى المرحاة الكلاسيكية في الفلسفة: سقراط, أفلاطون, أرسطو وغيرهم. تفاعل العرب والمسلمون فيما بعد مع هذا العلم, وكان فلاسفة عديدين من أمتنا العربية, الذين لعبوا دورا مهما وكبيرا في تطوير الفلسفة: الفارابي, ابن سينا, ابن رشد, ابن خلدون , ابن الهيثم , الحلّاج وغيرهم. فلسفة هؤلاء, وعلومهم جري وما يزال تدريسها في العالم حتى اللحظة. أما بالنسبة لما حدث ويحدث في اليونان .. فنقول:
اتهام الدوائرالمالية والقوى الحكومية الأوروبية الموجهة للحكومة اليونانية: أنها أهدرت وأنفقت الكثير من الأموال, حتى أفلست ! البنوك السخية منحتها المال!, لكن اليونان مازالت حتى اليوم لا تستطيع دفع ما عليها من فواتير بسبب سوء إداراتها للأموال التى أعطيت لها!!.
هل يبدو هذا منطقيا؟! دعونا نستعرض باختصار السبب/الأسباب الحقيقية لإفقار اليونان, وبخاصة بعد نجاح تسيبراس وحزبه الاشتراكي (وهذا أحد مصادر انزعاج أوروبا الرأسمالية) في الانتخابات الأخيرة, وهي التي تحرص على إفشال زعيم اليونان الجديد.
يجري تزوير حقائق كثيرة فيما يتعلق باليونان من أوروبا. دول أوروبية حصلت لها أزمات اقتصادية مثل :إيرلندا، وإسبانيا، والبرتغال، وإيطاليا. إنها أيضا نفس الأزمات التي حصلت في دول عديدة في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية. الذي حدث: أن الرأسمال المالي, من خلال البنوك والشركات المالية, قصدت وسهّلت لكل هذه الدول, الاستدانة والحصول على قروض بفوائد كبيرة في كل عام, بالتزاوج مع محاولات سياسية لجعل هذه الدول في حاجة دائمة إلى قروض جديدة, وبذلك تضمن هذه المؤسات ربحا دائما منها, يراكم المزيد من رؤوس أموالها! فالأهم والحقيقة المؤكدة: أن مصالح هذه المؤسسات يتمثل في الربح, ولم تُقرض الدول المحتاجة لحب فيها أو حرصا على أوضاعها!.وقعت اليونان في دائرة الديون مع بداية ظهور ما عُرف بـ”الأزمة المالية العالمية” في عام 2008, وكانت بسبب تلك المؤسسات المالية.
حصلت الحكومة اليونانية على مليارات الدولارات كقروض من المؤسسات , مقابل سندات مالية بعتها للمواطنين اليونانيين, في حين كان من المفترض على حكومة اليونان أن تحصل على ضمانات من الشركات المالية والبنوك, لكن هذا لم يحصل .. بالتالي, إحدى الطرق التي نجحت في سياسية “الوصول باليونان إلى العجز” التي اتخذتها المؤسسات المالية الشايلوكية الكريهة .. هي, قيام المؤسسات والبنوك الربحية بالتقليل من قيمة سندات الدولة. مما جعل أسعار الفائدة على السندات ترتفع، و جعلها أغلى وأكبر من قدرة الدولة على سداد ديونها. تضاعفت أسعار الفائدة على السندات ثلاثة مرات تقريبا, وفقما يقول الخبراء الاقتصاديون!. هذا أجبر رئيس الحكومة اليونانية السابق على قبول قروض مالية ضخمة بقيمة 110 مليارات دولار, استقال بعدها رئيس الوزراء اليوناني من منصبه. قام مسؤولون من البنك المركزي الأوروبي بزيارات عديدة إلى اليونان, ليفرضوا شروطا جديدة على الحكومة, وهي ما تعرف بـ “خطة التقشف”. بعد أشهر قليلة جرى استخدام نفس طريقة التلاعب في سوق السندات ,عندما قام رجال البنزك برفع عائدات السندات اليونانية إلى 50% !! .
هذا الأسلوب التسلطي الجشع, أجبر اليونان على استدانة قرض مالي جديد بعد موافقة البرلمان عليه وكانت قيمته 150 مليار دولار, ذلك مقابل خصخصة شركات القطاع العام التي تمتلكها الدولة. لذا فإن ” تدخل الرأسمال المالي ” فعليا أصبح يتخذ وجهين: الأول : فرض قوانين تقشفية على الحكومة والمواطنين, والتدخل في ” الخطة الإصلاحية الاقتصادية” للدولة. للخروج من الأزمة الاقتصادية الحادة. شملت الخصخصة في اليونان كل من قطاعات: المياة والكهرباء ومكاتب البريد، خدمات المطار، البنوك الدولية، والإتصالات، وهيئات الموانئ. بعد ذلك، فإن الحل الذي طرحته البنوك يتمثل في: فرض المزيد من الضرائب على كواهل المواطنين, في ظل تخفيض المعاشات, وبالطبع ارتفاع أسعار السلع ( حتى الحياتية كالغذائية منها!) ارتفاعا ملحوظا!.
كان من الطبيعي أن ترفض الحكومة اليونانية الجديدة الشروط الرأسمالية الأوروبية, وبخاصة تشدد شروط المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل المتعصبة كثيرا لسياسة إركاع اليونان, في مقابل تحقيق المزيد من الأرباح المالية الجشعة لصندوق النقد الدولي والبنك المركزي الأوروبي, ولدول الاتحاد الأوروبي, التي حرصت على رفع سعر الفائدة على السندات المالية, التي أصدرتها الحكومة اليونانانية كضمانات للقروض.
وكان من الطبيعي أيضا: أن يفوز رئيس الحكومة الاشتراكية بزعامة تسيبراس ,بالاستفتاء الجماهيري الذي جرى منذ أيام قليلة على قرارات الحكومة برفض الشروط المُذلة باليونان.. وكان فوزا كاسحا بنسبة 62% لصالح رفض الشروط وسياسة الإذلال.
الشعب اليوناني والحكومة واليونان كدولة, سينتصرون في معركتهم العادلة .. وهكذا تكون الفلسفة السبب في أزمات اليونان!! عجبي!!.

إلى الأعلى