الثلاثاء 19 سبتمبر 2017 م - ٢٨ ذي الحجة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / كان وكانت (1)

كان وكانت (1)

إننا بحاجة ملحة وماسة وضرورية بين الحين والآخر، وبين الفينة والأخرى أن نذكر أنفسنا ونذكر غيرنا، وأن يذكر بعضنا بعضًا بما يرقق القلوب، ويروض النفوس، ويحدث في كياننا تغيرًا إيجابيًا، وتحولاً جذريًا إلى الأحسن والأفضل، ويحدث في أعماقنا سموًا روحيًا وتألقًا إيمانيًا يقربنا إلى الله تعالى ويقوي صلتنا بخالقنا عزَّ وجلَّ؛ خاصةً ونحن نحيا في حياة تموج بالفتن والصراعات والملهيات، ونعيش في زمن ملئ بالمغريات والماديات والشهوات والملذات، مما يجعلني نتغافل ونتشاغل ونتكاسل ونتهاون عما يجب الاهتمام به، والحرص عليه، والاستعداد له، والانتقال إليه، ولا ريب أن الذكرى تنفع المؤمنين كما قال ربنا تبارك وتعالى: {وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين}.
وإن من أعظم ما يذكر الإنسان به نفسه، ويذكر به غيره، ويذكر به بعضنا بعضًا ذلكم الواعظ الصامت الذي يأتي بالليل وبالنهار، من غير حاجة إلى انتظار أو استئذان، فلا يمنعه مانع ولا حصن يقف أمامه حائلا. لا يراعي كبيرًا، ولا يرق لصغير، لا يخاف قويًا، ولا يرحم ضعيفًا. يأتي على المستيقظ والنائم، وعلى الحاكم والمحكوم، والغني والفقير، والذكر والأنثى، والراكب والماشي، والقائم والقاعد. والمعافى والمريض. إنه السهم النافذ، والقدر محتوم إنه الموت. وما أدراكم ما الموت؟ إنه ألزم لنا من الظل، وألصق بنا من الجلد، وأقرب إلينا من شراك النعل، مكتوب بين أعيننا إن لم يكن الآن فبعد الآن، وإن لم يكن اليوم فبعد اليوم، وإن لم يكن الغد فبعد الغد، لا مهرب منه ولا مفر، ولا ملجأ منه ولا ملاذ. هيهات هيهات.
كم حدثنا وتحدثنا، وكم سمعنا وأخبرنا عن سليم مات من غير علة، وصحيح مات من غير سقم، ومعافى مات في فراش نومه، وعن خارج من بيته لم يعد إليه ثانية. وإن أرجع إلى بيته، فإنما يرجع لتلقى عليها نظرة الوداع الأخيرة من قبل أهله ومحبيه.
كان يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه لأصحابه كل يوم تسمعون فيه مات فلان، وسيأتي اليوم الذي يقال لكم فبه مات عمر، ومرت الأيام وانقضت الأعوام وجاء ذلك اليوم الذي قيل فيه مات عمر، وكان رضي الله عنه قد كتب على فص خاتمه كفى بالموت واعظًا يا عمر، ونحن نقول صدق يا بن الخطاب يا من فرقت بين الحق والباطل، يا من أجرى الله الحق على لسانك ويدك، نعم كفى بالموت واعظًا.
فلنعتبر بغيرنا قبل أن نكون عبرة لغيرنا، ولنتعظ بغيرنا قبل أن نكون عبرة لغيرنا. نعم عرفنا الموت ولم نعمل له، ودفنا الأموات ولم نعتبر بهم.
الموت الحقيقة الوحيدة في الوجود – فيما أحسب- المتفق عليها والتي لا يختلف اثنان عليها حتى الذين ينكرون وجود الله تعالى. هناك أناس أكبر منا سنًا رحلوا، وهناك أناس في سننا رحلوا، وهناك أناس أصغر منا سنًا رحلوا، وحتمًا نحن سنرحل، والمسألة فقط مسألة وقت.
شباب في ريعان الشباب، شباب في مقتل العمر، شباب في عمر الزهور وتفتح الورود، شباب تعلو وجوههم الابتسامة والبهجة والسرور والحبور، وتكسو أبدانهم النضارة والبشر، يتدفقون نشاطًا وحيوية، يرفلون في الثوب الصحة والعافية، يملأون المكان بحركاتهم وتحركاتهم، فجأة صاروا في خبر كان، كأن لم يولدوا، كأن لم يكونوا، كأن لم يعيشوا، إذا تحدثنا عن أحد منهم قلنا: كان وكانت؛ كان كريمًا كان طيبًا كان على خلق، كان وفيًا، كان مصليًا، كان شهمًا، كان صالحًا كان مستقيمًا كان شجاعًا، وكانت مطيعة وكانت عفيفة وكانت شريفة وكانت محسنة وكانت وفية.
لهم بصمات وذكريات، لهم بصمات في كل مكان وزاوية، في البيت والحارة والطريق. في المسجد والمدرسة والمؤسسة التعليمية، في الملعب والسوق ومكان العمل، في أماكن الاستجمام والرحلات، ولهم ذكريات جميلة مع الأهل والجيران. مع الأقران والإخوان، مع الأصدقاء والزملاء، رحماك ربي لم يبق إلا طيف خيالهم يتراءى أمام عين محبيه لفترة ثم ينتهي.
هل تأملنا ونحن نقرأ هذه الآيات الكريمة مرارًا وتكرارًا، هل نظرنا إليها بعين قلوبنا لا بعين وجوهنا: {إنك ميت* وإنهم ميتون* ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون}. وللحديث بقية.

يوسف السرحني

إلى الأعلى