الأربعاء 18 يناير 2017 م - ١٩ ربيع الثانيI ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الدين الحياة / إدارة الوقت (5)

إدارة الوقت (5)

﴿ حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (100(﴾
سورة المؤمنون
اخي الصائم أختي الصائمة : نكمل اليوم بتوفيق من الله سلسلة الدرس الثاني “إدارة الوقت” ونبدأها بالأشياء المعينة على استغلال الوقت.

ومن الأشياء المعينة على إستغلال الوقت :
المحاسبة على نعمة الوقت: وهذا يختلف عن التحسر ،، فالمحاسبة تساعد على معرفة النقص وإيجاد الحلول ..أما التحسر فيضيع فيه الوقت بدون إصلاح الأخطاء والإستفاده منها !!
فلا بد أن نعي أننا محاسبون بين يدي الله تعالي عن أوقاتنا ، وأن ندرك أنه ما من لحظة من العمر تفنى لم نذكر فيها ربنا إلاّ وندمنا عليها غداً عند لقاء ربنا، وأن أهل الجنة – وهم يتقلبون في النعماء – يتذكرون تلك الساعات التي مرت من حياتهم دون أن يذكروا فيها الله، ولو أنهم أحسنوا استثمارها في طاعة الله تعالى لكانت رفعة لهم في المنازل والدرجات، وتقريباً إلى ربهم ورضاء.

وكان سلفنا الصالح أكثر انتباهاً لتلك المواقف وأمثالها، فنجدهم في حالة حساب شديد مع نفوسهم لتجاوز كل المخاوف المرتقبة، ومن أولئك أحد الصالحين الذي أعدّ لنفسه وِرْدَ محاسبة عند مساء كل يوم، فيقف مع نفسه معاتباً ولائماً حيث يقول:
إذا هجع النّوام أسـبلت عبرتي **** وردّدت بيتاً هو من ألطف الشعر
فنحن في دنيانا كركب لجة **** نظل قعوداً والزمان بنا يجــرى
أليس من الخسران أن لياليـاً تمر ***** بلا نفع وتُحسب من عمري!!

ومن هنا ندرك بأن هذه الحياة ما هي إلا أعمار، وما الأعمار إلاّ أعوام، وما الأعوام إلا شهور، وما الشهور إلاّ أيام وما الأيام إلاّ ساعات، وما الساعات إلاّ دقائق، وما الدقائق إلا ثوان تحصيها ملائكة كرام!!

هنيئاً للذي تنبه وتحسر على ما فات من عمره ، وتذكر ما مضى .. وندم على ما فاته .. وعقد العزم والنية على اصلاح ما أفسده .. فالعاقل من ندم اليوم حيث ينفعه الندم ، واستقبل لحظات عمره ، فعمّرها قبل أن يأتي اليوم الذي لا ينفع!!!
أما من لم ينتبه ، سينتبه لقيمة الوقت عند سكرات الموت ولحظات الوفاة، في تلك الساعة، حيث يتمثل أمامهم شريط لأعمالهم دقيقة بدقيقة ولحظة بلحظة، قال تعالى : (وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى () يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي). وقال تعالى : (أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ. (57))
 بكى أحد السلف فقيل له : ما يبكيك ؟ قال : على يوم مضى ما صمته وعلى ليلة ما قمتها .
 عاقب عمر بن الخطاب رضي الله عنه نفسه حين فاتته صلاة العصر في جماعة بأن :(تصدّق بأرض قيمتها مائتي ألف درهم).
 ابن عمر – رضي الله عنهما – كان إذا فاتته صلاة في جماعة (أحيا تلك الليلة).
 فاتت ابن أبي ربيعة ركعتا سنة الفجر (فأعتق رقبة).
أين نحن من هؤلاء السلف الصالحين؟؟؟

يالله ما أكثر الأوقات التي فرطنا فيها !!
كم من الأيام مضت بلا عبادة ؟؟
كم ساعة ودقيقة مرت لم نذكر فيها الله !!
( القرآن )هذا الكنز العظيم ( كنز الحسنات الذي يعطي مليارات الحسنات)
شفيعك ومؤنسك في وحشة القبر وظلمته ، كم نصيبي ونصيبك من اليوم ؟هل فتحت القرآن اليوم؟هل لك ورد يومي؟

اليوم ٢٤ ساعة كم نصيب العبادة منها ؟؟
إن إضاعة الوقت أشد من الموت؛ لأن إضاعة الوقت تقطعك عن الله والدار الآخرة، والموت يقطعك عن الدنيا وأهلها، كنائم رأى مسيرة حياته في لمح بصر ثم استيقظ! ذهبت الأيام بآلامها وآمالها وأحلامها، بشدتها وقسوتها، ولكن بقي الحساب.
فيا من ضيعتم أوقاتكم في مشاهدة المسلسلات وسماع الأغاني ، أمام الهاتف والإنترنت ، في الأسواق والكلام الفارغ ، والغيبة والنميمة ، في التسكع في الشوارع ، ويا من عكفتم على المعاصي جميع أوقتكم، ويا من جعلتم كل أوقاتكم للشيطان وحزبه ..
احذروا الموت وفجأته، فعمرك إلى انتقاص،وسيئاتك في ازدياد.. (فتب إلى الله واحذر التسويف).
قال بلال بن سعد – رحمه الله-: “يقال لأحدنا: تريد أن تموت؟! فيقول: لا فيقال له: اعمل، فيقول: سوف أعمل، لا يحب أن يموت، ولا يحب أن يعمل، فيؤخر عمل الله تعالى، ولا يؤخر عمل الدنيا”.

نسأل الله – عز وجل – بمنِّه وكرمه أن يعاملنا بلطفه وكرمه، وأن يرزقنا حسن التعامل مع أوقاتنا، وأن يجعل يومنا خيراً من أمسنا، ومستقبلنا خيراً من حاضرنا، وأن يوفقنا لفعل الخيرات، وترك المنكرات، وأن يأخذ بنواصينا ونواصي ذرياتنا وأحبابنا إلى ما يحبه ويرضاه، إن ربي لطيف رحيم.

أ.جوخة بنت علي بن عبدالله الحارثية دائرة الإرشاد النسوي بوزارة الأوقاف والشؤون الدينية

إلى الأعلى