الجمعة 15 ديسمبر 2017 م - ٢٦ ربيع الأول ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / آراء / شراع .. بريكس وشنغهاي و”ربيع العرب” .. تناقضات تتخم بطون الكلاب

شراع .. بريكس وشنغهاي و”ربيع العرب” .. تناقضات تتخم بطون الكلاب

خميس التوبي

تطرح التكتلات الدولية الناشئة في مواجهة الإمبريالية الغربية الاستعمارية بقيادة الولايات المتحدة الساعية إلى إبقاء حالة التفرد وتركيع العالم وإبقائه تحت سطوتها ونفوذها، صورة مغايرة ومناقضة تتخم بطون الكلاب بالمقارنة مع ما يحدث في الوطن العربي خاصة بعد تفجر ما سمي كذبًا وزورًا “الربيع العربي”.
اليوم يقف العالم على أعتاب مرحلة جديدة من الرفض للهجمة الاستعمارية الإمبريالية الغربية الموجهة ضد شعوب الشرق الأوسط خاصة، وشعوب دول العالم الأخرى عامة والتي ترفض التبعية الغربية أو بالأحرى التبعية الأميركية، هذه المرحلة دشن مسيرتها تجمع دول “البريكس” وتجمع منظمة “شنغهاي” واللذان استضافت قمتهما مدينة أوفا عاصمة جمهورية بشكورتوستان الروسية في الثامن وحتى العاشر من يوليو الجاري، حيث أكد قادة دول مجموعة بريكس وهي (روسيا والصين والهند والبرازيل وجنوب إفريقيا) أن حل مشاكل الاقتصاد والسياسة حول العالم ممكن في حال توحيد جهود دول المجموعة، داعين إلى العمل على تبني استراتيجية طويلة الأمد لشراكة دول بريكس، بالإضافة إلى تدشين بنك التنمية الخاص بالمجموعة. والطموحات لدى قادة هذا التجمع عبَّر عنها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بقوله بأن “بلدان “بريكس” هي دول قوية، ذات استراتيجية للتنمية. إنها قائدة العالم والاقتصاد العالمي مستقبلًا دون أدنى شك” مع تأكيده “علينا عدم التخفي وراء الجدران، ولن يحصل ذلك”.
على أن منظمة “شنغهاي للتعاون” قدمت نفسها في اليوم التالي كتجمع سياسي وعسكري واقتصادي وقوة بشرية هائلة يتنامى بتنامي أعضائه، حيث شهدت نقلة نوعية بانضمام كل من الهند وباكستان القوتين النوويتين في هذا التجمع العملاق الذي سيشهد اندفاعة كبرى في صنع القرار السياسي العالمي والتأثير الاقتصادي والعسكري حاضرًا ومستقبلًا، وبالتالي لن يقتصر عمل هذا التجمع على مكافحة الإرهاب ومواجهة التطرف والحركات الانفصالية والتصدي لتجارة الأسلحة والمخدرات. كما أن من شأن هذا التجمع العملاق أن ينقي العلاقات بين الدول الأعضاء الهند وباكستان والهند والصين، وغيرها، ما سيعطي عمل المنظمة حراكًا أوسع وديناميكية أكبر وتأثيرًا أعلى، وقدرة على التعاطي مع الملفات الدولية، ويؤسس بصورة فعلية للتوجهات القائمة لدى القادة الروس والصينيين والهنود بضرورة قيام عالم متعدد الأقطاب لما له من تأثير إيجابي على مصالح الدول والشعوب وتنميتها ورخائها واستقرارها، إذ من شأن هذا التعدد أن يعطي التوازن المفقود منذ أكثر من عقدين؛ أي منذ انهيار الاتحاد السوفيتي، وما جره هذا الغياب من مآسٍ وكوارث على شعوب العالم وخاصة شعوب الشرق الأوسط التي لا تزال تواجه المزيد من الكوارث والمآسي وتنزف المزيد من الخسائر البشرية والمادية. كما من شأن القطبية المتعددة هذه، مواجهة الأخطار والصراعات والأزمات التي تهدد السلم والأمن الدوليين، واحتواء آثار الأزمة الاقتصادية والمالية العالمية، والعمل على منع تكرارها، وتأمين موارد الطاقة، والأمن الغذائي، فشعوب العالم اليوم وبخاصة الفقيرة تتناوب عليها طعنات رماح الأزمات المفتعلة، سواء كانت أزمة الفقر والجوع، أو أزمة مصادر الطاقة والتلاعب في أسعارها، أو السياسات المرهقة والمكبلة لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي اللذين يعدان من أبرز عناوين القطبية الأحادية والرأسمالية المتوحشة. ولعل تزايد طلبات الانضمام إلى منظمة “شنغهاي للتعاون”، كفيل باختزال الصورة التي أضحت عليها تلك الشعوب ودولها، ورغبتها في التخلص من براثن القطبية الأحادية وقيود رأسماليتها المتوحشة.
وبينما تتجه دول وشعوب حرة نحو التخلص من أعباء القطبية الأحادية الأميركية وتبعاتها المكلفة والباهظة الأثمان، وتبحث عن وسائل أخرى وتطور آلياتها باتجاه إعلان الاستقلالية، وإرساء شراكة حقيقية تقوم على احترام السيادة والاستقلال والمصالح المشتركة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، يقدم المشهد العربي النقيض من ذلك تمامًا، فلا تزال طوابير العملاء والوكلاء والخونة ممسكة بسواطير الإرهاب والعنف والتطرف والتكفير والارتزاق التي صنعتها مثلما صنعتهم الاستخبارات الصهيو ـ غربية ليكونوا عنوان ما أسماه أسيادهم الصهاينة والغربيون كذبًا “الربيع العربي”، حيث لا مهمة لهم سوى تقديم الدول العربية وشعوبها قرابين وأضاحي لأسيادهم على مذابح العمالة والخيانة والخسة والنذالة والإرهاب والتكفير والفتن الطائفية والمذهبية، لينعم هؤلاء الأسياد بثروات هذه الدول ويعبثوا بمقدرات شعوبها.
لم تنكفئ هذه الطوابير ولو لحظة واحدة، كما لم ينلها التعب عن مواصلة وظائفها المسندة إليها، فلا تزال رافعة سواطير إرهابها وعمالتها وخيانتها ونذالتها لتقسيم الدول العربية وشعوبها قطعة قطعة، وفق ما تتلقاه من تعليمات وتوجيهات من أسيادها، وليس في نيتها إنزالها، وكيف يكون لها ذلك وقد غدت قطعانًا بعد أن غُسلت أدمغتها وغُيب وعيها، تتجه حيث يسوقها راعيها.
التقسيم والتفتيت والفرز الطائفي والمذهبي يتم بسواطير الإرهاب ويجري إنضاجه على نار الفتن الطائفية والمذهبية والعرقية، فمن ينظر إلى العراق يجد كيف أن ملياراته نهبت وثرواته النفطية صودرت، وتبدو جغرافيته ككعكة قسمت إلى ثلاثة من قبل الاستعمار الأميركي ومندوبه السامي تنظيم “داعش” الإرهابي اللذين تجمعهما علاقة أمومة وأبوة، ومثلما يمضي مخطط الشمال بتسليح الأكراد ودعمهم سياسيًّا للانفصال، يمضي المخطط نفسه في غرب العراق بإقامة القواعد العسكرية الأميركية وتسليح العشائر بالكذبة الكبرى وهي محاربة المندوب السامي “داعش”، مع تكامل الظروف في جنوب العراق، وكذلك الحال في ليبيا (طبرق، طرابلس، بنغازي) حيث حوار السلاح يصعِّد من قعقعته، ونار إرهاب “داعش” وغيره تنتشر كانتشار النار في الهشيم، فيما انقسمت الثروة النفطية الليبية بين المستعمرين الأطلسيين وبين التهريب والسرقة ونار الإرهاب، ليمتد المشهد العراقي والليبي في اليمن (حيث هادي والذين معه، والحوثيون والجيش اليمني ومن معهم، في إعادة لذكرى اليمنين الشمالي والجنوبي)، وفي سوريا (حيث يراد لها أن تكون دولًا للأكراد والسنة والعلويين والدروز وغيرهم)، وفي مصر التي يخطط لها أن تقام لها إمارة “الخلافة غير الإسلامية” في سيناء لتنظيم “داعش”، وفي تونس التي تتجه لعزل نفسها بقوة الإرهاب وطوابيره وبخيانة العملاء، عبر السياج الذي تبنيه والقاعدة الأميركية/الأطلسية التي ستحتضنها، فقد أعلنت وزارة الخارجية الأميركية أمس الأول أن واشنطن وافقت على منح تونس مكانة “الشريك الرئيسي من خارج الحلف الأطلسي”. وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية جون كيربي في بيان إن “مكانة الشريك الرئيسي من خارج الحلف الأطلسي تؤكد على دعمنا لقرار تونس بالانضمام إلى ديمقراطيات العالم”، فضلًا عن كونها “مؤشرًا لعلاقاتنا الوثيقة”. ويأتي هذا التطور في الوقت الذي تحركت فيه طوابير العمالة والخيانة والإرهاب والتكفير نحو الجزائر لتضربها ضربة طائفية غائرة يراد لها أن تكون دامية ونازفة لتلحق الجزائر بشقيقاتها المكتوية بنيران الإرهاب والتكفير والعمالة والخيانة، وفي الوقت الذي تستميت فيه دول الاستعمار والاستكبار العالمي من أجل تجنب انفراط عقد الاتحاد الأوروبي بخروج اليونان، ولأجل الإبقاء على هذه المنظومة الأوروبية. حقًّا إنها تناقضات تتخم بطون الكلاب.

إلى الأعلى