الثلاثاء 25 يوليو 2017 م - ١ ذي القعدة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / السياسة / أهمية نفط ومقدرات الشرق الأوسط للولايات المتحدة ودوره في استراتيجيتها

أهمية نفط ومقدرات الشرق الأوسط للولايات المتحدة ودوره في استراتيجيتها

(الجزء الأخير)

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إن أحد أبرز الأسس الإستراتيجية للسياسة الاميركية في الشرق الأوسط هو الاستيلاء على بترول المنطقة، ومن أهم دولها بترول العراق، الذي يشكل احتياطاً بترولياً استراتيجياً هائلاً.
من المعروف أن الشعب الاميركي يمثل 6.3% من سكان العالم، لكنه يستهلك 60% من بترول هذا العالم، والمهمة الأولى للإستراتيجية الاميركيةة تقتضي، المحافظة على هذه النسبة مهما كانت ظالمة للآخرين، والعمل على فرضها بكل الوسائل، دون أن تخدع نفسها بأية أوهام عن مبادئ العدل والمساواة، حتى لو اضطرت في سبيل ذلك إلى استعمال قوة السلاح، لأن المبادئ تخاطب الضمائر والحقائق تصنع الحياة.
كان ذلك هو أحد أبرز الاستنتاجات التي خلص إليها “مركز بيكر لاستراتيجيات البترول” في هيوستن في الولايات المتحدة، كما خلص إلى نتيجة أخرى وهي “أن بترول العراق وبترول بحر قزوين لم يصلا إلى الطاقات العليا لاستغلالهما.. لذلك فإن الإستراتيجية الاميركية تستطيع إنشاء شبكة واحدة واسعة ومأمونة لبترول الشرق الأوسط وبترول بحر قزوين، وبذلك يمكن ضمانة المستقبل الاميركي لمئات السنين”.
إن نفط وثروات العراق كانت السبب الأبرز في الاحتلال الاميركي للبلد العربي. لقد تشدقت الولايات المتحدة بحجج واهية وضعيفة في تغطية الأهداف الحقيقية لها في غزو العراق مثل: امتلاك العراق لأسلحة دمار شامل، وتشكيله خطراً على الأمن القومي للولايات المتحدة، وغيرها من الأسباب التي أثبتت الحقائق بطلانها بشكل كامل.إن أحد أهم البمود الاستراتيجية الاميركية:
التواجد العسكري الاميركي في المنطقة وإثارة صراعات جديدة فيها لتغييب الصراع مع الكيان وفرضه عليها من خلال خلال اتفاقيات “سلام تُعقذ بينها وبين الدول العربية على شاكلة : اتفاقيات كمب ديفيد ووادي عربة وأوسلو على طريق تفتيت دول المنطقة وبخاصة تلك المحاذية للحدود الفلسطينية:
لقد لخص كولن باول وزير الخارجية الاميركي في مؤتمر صحفي له في يناير عام 2003″ بأن الهدف من شن الحرب على العراق هو إيجاد خارطة جديدة للمنطقة والمحافظة على أمن إسرائيل”. تناسى الوزير باول لحظتها هدفاً استراتيجياً آخر، وهو تعزيز التواجد العسكري الاميركي في قلب منطقة الشرق الأوسط وفي العراق تحديداً، بهدف السيطرة على كامل المنطقة وامتلاك إمكانية حقيقية لتوجيه التهديدات إلى سوريا وإيران باعتبارهما (من دول محور الشر) وهذا ما يجري حاليا في الواقع العملي.
لقد نشرت الصحف الاميركية في أبريل من عام 2004 تفاصيل الخطة العسكرية للتواجد العسكري الاستراتيجي الاميركي، من خلال أربع قواعد عسكرية أمريكي يجري تشييدها في العراق، والبنتاجون يخطط لإبقاء هذه القواعد بشكل دائم وحتى في حالة سحب القوات الاميركيةة من العراق.
احتلال مقدرات العراق وتفتيته, وتقسيم سوريا وليبيا واليمن , والعديد من الدول العربية وتدمير الجيوش العربية والبنى التحتية في كل من العراق وسوريا ومصر, وإثارة الصراعات المذهبية والطائفية والإثنية في العالم العربي على طريق تفتيت دوله إلى دويلات متحاربة.. واختراع التيارات والحركات الاصولية مثل داعش والنصرة وغيرهما على شاكلة اختراعها للقاعدة ….كل ذلك هو جزء من رؤية شمولية إستراتيجية للولايات المتحدة، تشكلت بعد انهيار الاتحاد السوفياتي ودول المنظومة الاشتراكية الأخرى في عام 1990، وفحواها وفقاً لاستنتاجات العديد من مراكز البحث والدراسات الإستراتيجية الاميركيةة، ووفقاً “للتقرير الرئاسي” الذي أعدته مجموعة عمل تتألف من أربعين وزيراً وسفيراً وخبيراً سبق لهم الخدمة في إدارات أمريكية من قبل، وكان من بينهم: ألكسندر هيج – من إدارة ريجان، انتوني ليك – مستشار الأمن القومي في عهد ريغان، صمويل لويس – السفير الاميركية في إسرائيل لثماني سنوات.. وتم إنجاز التقرير في شهر حزيران من عام 2001… يركز التقرير على: أهمية إبقاء الولايات المتحدة كزعيمة للعالم وعدم السماح بظهور قوة موازية أخرى لها والحيلولة دون ظهورها. كما ويركز فيما يتعلق بمنطقة الشرق الأوسط على أهمية ضمان أمن الخليج وموارده البترولية على نحو نموذجي، وعدم الضغط على إسرائيل فيما يتعلق بما يسميه (النزاع الفلسطيني – الإسرائيلي).
إن احتلال أميركا لأفغانستان قرّبها من بترول بحر قزوين، واحتلالها للعراق ضمن لها أمن الخليج وموارده البترولية.. والضمانة هي التواجد العسكري الاميركية في البلدين المحتلين.

السلاح النووي في الشرق الأوسط :
إن كافة المصادر بما في ذلك معاهد الأبحاث العسكرية الاميركية، تشير إلى امتلاك إسرائيل لما يزيد عن 200 رأس نووي، قادرة على تدمير المنطقة العربية بكاملها، والوصول إلى باكستان وإندونيسيا وغيرها من الدول الإسلامية. ومن المعروف أن إسرائيل ترفض التوقيع على المعاهدة الدولية لحظر انتشار الأسلحة النووية، وهي لا تسمح للجنة الدولية للطاقة الذرية بمراقبتها أو القيام بتفتيش منشآتها النووية.
الولايات المتحدة الاميركية تجيز لإسرائيل ذلك، تحت حجة أن إسرائيل تحمي حدودها وتدافع عن أمنها! وتدمير إسرائيل للمفاعل النووي العراقي في عام 1981، والذي كان يستعمل لأغراض سلمية، لاقى ترحيباً آنذاك من الولايات المتحدة وتحظر على إيران امتلاك أية أسلحة نووية وكان الصراع مع إيران طويلا قبل عقد اتفاقية معها يسمح لها باستعمال الطاقة النووية للأغراض السلمية مع إشراف دولي دقيق على منشآتها النووية والد من نسبة تخصيبها لليورانيوم.
المسألة تتكرر الآن مع إيران، فإضافة إلى التهديدات الإسرائيلية المستمرة بتدمير المنشآت النووية الإيرانية، والتي وفقاً لما تؤكده روسيا، المورّد الرئيسي لهذه المنشآت، تُستعمل لأغراض سلمية، فإن الولايات المتحدة جعلت شغلها الشاغل لأعوام طويلة ما تسميه “تسلح إيران النووي”. فإضافة إلى اعتبارها إيران من دول “محور الشر”، فإنها الحصار الدولي ما زال مفروضا عليها وسيجري تخفيفه تدريجيا عنها وفقا لتنفيذها لبنود الاتفاق الذي جرى التوقيع عليه بينها وبين مجموعة 5+1 بالأحرف الأولى, وسيجري توقيعه في نهاية يونيو من هذا العام 2015. معروف أنه ما من دولة عربية لديها النية لامتلاك السلاح النووي .
استغلال الولايات المتحدة لأحداث 11 سبتمبر:
استغلت الولايات المتحدة وما زالت تستغل أحداث 11 سبتمبر 2001 أبشع استغلال. وجيّرت ما جرى لصالح أهدافها الإستراتيجية عالميا ومحليا على صعيد الشرق الأوسط ….ومناطق أخرى عديدة من العالم، فتحت شعار “مكافحة الإرهاب” يمكنها غزو واحتلال مطلق بلد، وهذا ما جرى في الحالتين الأفغانية والعراقية. وتحت شعار (مساندة الإرهاب) يمكنها الإطاحة بأي زعيم لدولة معينة. وتحت شعار “من ليس معنا فهو ضدنا” يمكنها الضغط على دول عديدة من أجل السير في الفلك الاميركية وتبني المشاريع ووجهات النظر الاميركيةة بالكامل، وإلا تعرضت هذه الدول للتهمة الاميركيةة الجاهزة وهي (مساندة الإرهاب) كما في حالات سوريا وإيران وغيرهما من دول العالم!
(والمعركة ضد الإرهاب) وفقاً للشعارات الاميركيةة المرفوعة، هي معركة غير محددة بزمن أو جغرافيا، فهي مفتوحة في كل وقت وضد أي بلد تراه الولايات المتحدة إرهابياً.
لقد استغلت الولايات المتحدة أحداث 11 سبتمبر على الصعيد الداخلي بشكل يعيد إلى الأذهان (وفقاً للعديد من الصحف الاميركيةة والمنظمات الاميركيةة المعنية بحقوق الإنسان) الحقبة المكارثية، والتضييق على حقوق المواطن الاميركية، وبخاصة من الأصول العربية والإسلامية الذي أصبح معرضاً للاعتقال طويلاً دون توجيه تهمة إليه، بل لمجرد الشك بمساندته للإرهاب، وغيرها من الحقوق التي جرت مصادرتها.
ومن أجل ما تسميه الولايات المتحدة (بالقضاء على البيئة التي تنتج الإرهاب)، أخذت تطالب الدول العربية (من بينها الحليفة لها) بالقيام بالإصلاح وتحقيق الديمقراطية في بلدانها.
إن الهدف الحقيقي من الدعوة إلى الإصلاح وبناء الديمقراطية في العالم العربي، هو إنتاج “الديمقراطية” التي تخدم المصالح الاميركيةة في العالم العربي، وإلا ما معنى فرضها حصاراً على الرئيس الراحل عرفات المنتخب ديمقراطياً كرئيس من أكثر من 75% من الشعب الفلسطيني! وحظر لقاءات المسؤولية الاميركيةين معه لأكثر من ثلاث سنوات؟
وما معنى أن وقفت ضد الخيار الديمقراطي للشعب الفلسطيني في الانتخابات الأخيرة؟ وتقوم إسرائيل بفرض حصار خانق على شعبنا في القطاع وفي كل المجالات (عقاباً له) على خياره الديمقراطي.
الولايات المتحدة تتدخل في مناهج التعليم العربية، وتفرض حصاراً على الفضائيات العربية التي تحاول الاقتراب من الحقائق: تقصف مكاتبها، وتغتال مراسليها، في الوقت الذي تدّعي فيه الحرص على حرية وسائل الإعلام! نحن لا ننكر أهمية الإصلاح وتحقيق الديمقراطية في كل البلدان العربية، ونحن نطالب بها كاستجابة موضوعية لحقائق العصر، وليس انطلاقاً من فرضها باعتبارها املاءات أمريكية، ليس إلاّ! ما رأيناه منذ نصف قرن زمني من خطوات عملية في منطقتنا العربية والإقليم وما نراه حاليا هو ترجمة حقيقية لبنود هذه الاستراتيجية, التي وُضع أساسسها في أواخرالنصف الثاني من القرن الزمني الماضي!.

إلى الأعلى