الثلاثاء 23 مايو 2017 م - ٢٦ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / رجة وعي موجهة للدول العربية: الأمن الإلكتروني

رجة وعي موجهة للدول العربية: الأمن الإلكتروني

أ.د. محمد الدعمي

” .. يقفز الأمن الإلكتروني Cyber Security إلى قمة الأولويات عبر دول العالم المتقدمة، خاصة في الولايات المتحدة الأميركية حيث تمت عمليات اختراق شبكاتها الإلكترونية، ليس فقط لوضع اليد على هويات وأرقام الأمن الاجتماعي لأعلى موظفيها الفيدراليين رتباً، ولكن كذلك، لتسريب أرقام الحسابات والتعاملات المصرفية، باعتبار أن هذه هي غاية الإرهاب الإلكتروني النهائية،”
ــــــــــــــــــــــــ
لم يعد الأمن القومي العربي قابلا للاختزال بالصيغ والأنساق القديمة المعتادة، والمعتمدة من قبل هيئات إقليمية، هي الأخرى، بحاجة ماسة للتحديث، كجامعة الدول العربية. إذ لا يمكن أن نحل مشاكل هذا الأمن القومي بمجرد اجتماعات لوزراء الداخلية العرب، أو لمدراء أجهزة الأمن والاستخبارات العربية، اجتماعات لا تنتهي بإجراءات فاعلة وقابلة للتفعيل بقدر ما تنتهي بولائم باذخة وحفلات استقبال لا مجدية.
للمرء أن يلاحظ ذلك في غمار حركة عصر أقرب إلى سرعة الضوء منها إلى سرعة اللصوص والمجرمين والجواسيس الذين كانت الأجهزة الأمنية العربية المختصة تتعامل معهم بالأمس. لقد كان المسيئون للأمن في الدول العربية من النوع الساذج والبطيء الذي تكفي لاجتماعات من النوع أعلاه للتعامل معهم وفض مشاكلهم. لم يعد الأمن مسألة لص يقتحم منزل لسرقة بطانية أو جهاز تلفاز، كما كان بالأمس.
عصرنا هذا أعلى سرعة مما قد يتبادر إلى أذهان عربية اعتادت ذبذبة خطوات الإبل في البادية، مقياساً وميزاناً لشعرها ونثرها. يجري اللحظة ثمة سباق فظيع بين قوتين: (1) قوة حماية الأمن بأنواعه، و(2) قوة خرق الأمن من قبل عصابات وأحياناً هيئات رسمية تعمل بضمن سياقات التنافس القومي بين دول العالم.
لذا يقفز الأمن الإلكتروني Cyber Security إلى قمة الأولويات عبر دول العالم المتقدمة، خاصة في الولايات المتحدة الأميركية حيث تمت عمليات اختراق شبكاتها الإلكترونية، ليس فقط لوضع اليد على هويات وأرقام الأمن الاجتماعي لأعلى موظفيها الفيدراليين رتباً، ولكن كذلك، لتسريب أرقام الحسابات والتعاملات المصرفية، باعتبار أن هذه هي غاية الإرهاب الإلكتروني النهائية، اي أن يسحب شاب جالس خلف الحاسوب في كانتون/بالصين، أو في كالكتا/بالهند، ما اختزنه المرء أو المؤسسة أو حتى الدولة من أموال وعقود ومستندات نقدية، خلال لحظات، درجة إفراغ الخزانة من كل شيء وتركها فضاء للجرذان!
هذا هو الأمن الإلكتروني الذي تحتاجه جميع دول العالم، والدول العربية الغنية بالنفط على نحو خاص. يجب على هذه الدول الغنية أن تطور كوادرها المتخصصة بالعلوم الإلكترونية وعلوم الحاسوب على نحو فائق السرعة، قبل أن تتفاجأ وزارات المالية والبنوك المركزية بما لا تحسد عليه من تجليات الجريمة الإلكترونية التي يمكن أن يقترفها فرد من جزيرة منسية جنوب المحيط الهادي! إذا كانت الولايات المتحدة لا تأمن الإرهاب الإلكتروني، فما حسبنا نحن أن نفعل لمواجهته!
لم يعد الموضوع مجرد تبادل المعلومات الساذجة حول المجرمين وذوي الجنح (لون الشعر، لون العين، الطول، إلخ) وإنما هو غدا موضوعاً معقداً بدرجة عالية من الشائكية لأنه يتعامل مع رموز الكترونية وأرقام متداخلة، أنا شخصياً أعجز عن فهمها على نحو مطلق.
وهذه هي المشكلة التي ستواجه الحكومات العربية الغنية، لأنها لا يمكن أن تواجه مشاكل الأمن والإرهاب الإلكتروني بالاستعانة بخبراء مأجورين من لندن أو نيويورك، شنغهاي أو أوساكا، كما كانت تفعل عندما تعين مستشارين مصرفيين أو خبراء تخطيط اقتصادي. ومرد ذلك هو أنك لا تستطيع أن تأتمن شخصاً أجنبياً، فتفتح له بواباتك الإلكترونية من أجل أن يحميك أو يحرس حلالك. إنه هو أول من سيسرب الأسرار الإلكترونية، إما لصالحه، أو لصالح المؤسسات التي استأجر منها أو لصالح الدول التي قدم منها “لمعاونتك”. وبكلمات أخرى، تحتاج الدول العربية المصدرة للنفط، بخاصة، الى تطوير كوادرها الوطنية الموثوقة التي يمكن أن تؤتمن لديها الأسرار الإلكترونية التي يمكن أن تشمل كل شيء حرفياً، من صورك الشخصية في غرفة النوم، إلى تفضيلاتك الذوقية أمام المرآة، بل والأخطر هو كل شيء عن رصيدك أو رصيد حكومتك، مع المعلومات الكافية عن الغطاء النقدي الذي توفره تلك الحكومة لحماية عملتها ولضبط توازن الأسعار والأسواق والنظام المجتمعي ككل. هذه هي الخبرة والمعرفة التي لا يمكن أن تستورد أو تستأجر قط.

إلى الأعلى