الأربعاء 20 سبتمبر 2017 م - ٢٩ ذي الحجة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / ورحل شيخ الإعلام العربي الحديث

ورحل شيخ الإعلام العربي الحديث

محمد عبد الصادق

” .. تحمل عبد القادر حاتم مسؤولية رئاسة الوزراء نيابة عن الرئيس السادات خلال فترة الحرب, وعن تجربته الإعلامية في حرب اكتوبر 1973م يقول الراحل في كتابه “دور الإعلام في تحقيق المفاجأة الاستراتيجية”: ” كانت أمامي فجوة عدم الثقة بين الشعب وأجهزة الإعلام نتيجة فقدان المصداقية في الحكومة وجهازها الحكومي عقب نكسة يونيو 1967م ,”
ـــــــــــــــــــــــــــ
غيب الموت يوم الثلاثاء الماضي الدكتور محمد عبدالقادر حاتم أول وزير إعلام في مصر والوطن العربي، بعد حياة حافلة ناهزت 97عاماً، تقلد فيها العديد من المناصب، (عين وزيراً للإذاعة والإعلام العربي عام 1958م) وخدم وطنه مصر وأمته العربية، وكان أحد المشاركين في وضع الاستراتيجية الإعلامية لمصر بعد ثورة 23يوليو 1952م ومهندس خطة الخداع الاسترتيجي لأميركا وإسرائيل قبل نصر اكتوبر 1973م.
ولد محمد عبد القادر حاتم في 3 سبتمبر 1918م بمدينة الإسكندرية والتحق بالكلية الحربية في الدفعة اللاحقة لجمال عبد الناصر وتخرج عام 1939م وكان على صلة وثيقة بتنظيم الضباط الأحرار، الذين استعانوا به عقب نجاح ثورة 23يوليو 1952م وأسندوا إليه مهمة الإشراف على الإذاعة المصرية، بعد الاستيلاء عليها وإلقاء أنور السادات البيان الأول للثورة وكلف حاتم بتعريف الشعب المصري بأهداف ومبادئ الثورة واستطاع في وقت قصير إحداث تغيير كبير في شكل الإذاعة المصرية وخلصها من الشكل التقليدي القديم، لتنطلق إلى آفاق أوسع تخاطب المستمع العربي من المحيط إلى الخليج، عن طريق استحداث محطات إذاعية قوية البث، كصوت العرب والإذاعات الموجهة والبرنامج الأوروبي.
استدعاه عبد الناصر للعمل في المخابرات العامة للاستعانة به في التواصل مع وسائل الإعلام المحلية والإجنبية لإجادته اللغتين: الإنجليزية والفرنسية، وأثناء العدوان الثلاثي: لانجلترا وفرنسا وإسرائيل على مصر عام 1956م، عمل متحدثاً رسمياً باسم الحكومة المصرية، وكان له دور مهم في فضح العدوان، وشرح وجهة النظر المصرية أمام وسائل الإعلام العالمية، التي وقف كثير منها مع مصر في وجه العدوان الغاشم، حتى انسحبت الجيوش الغازية أمام ضغط الرأي العام العالمي، حيث خرجت المظاهرات في شوارع لندن وباريس ونيويورك تندد بالعدوان وتطالب بالانسحاب من مدن القناة، وخرجت مصر منتصرة بفضل صمود واستبسال شعبها وجيشها، ونجاح الحملة الدبلوماسية والإعلامية التي قادها جمال عبد الناصر، وقام خلالها عبدالقادر حاتم بجهد ملموس نال تقدير الجميع.
بعد جلاء الإنجليز عن منطقة القناة، أصدر ناصر قراراً بترقية حاتم إلى رتبة قائم مقام (عقيد) وأصبح مسؤولا عن الإعلام ومدير مكتب رئيس الجمهورية، وفي عام 1958م قامت الوحدة بين مصر وسوريا، وعين حاتم وزيراً مسؤولاً عن الإذاعة والإعلام العربي في مصر (القطر الجنوبي) وسوريا (القطر الشمالي)، وهو المسمى الذي تطور ليصبح عبد القادر حاتم أول وزير للإعلام، وأشرف حاتم على إنشاء التليفزيون العربي في مصر وسوريا، لينطلق إرسال التليفزيون العربي من القاهرة ودمشق في نفس الوقت في 21يوليو عام 1960م واستمر يشغل هذا المنصب حتى 30 سبتمبر 1965م، بعدما أرسى تقاليد مهنية وأسس ونظم ولوائح إعلامية حديثة ما زالت وزارات الإعلام العربية تسير عليها حتى الآن.
تولى عبدالقادر حاتم في منتصف الستينات، مسؤولية 3 وزارات هي السياحة والثقافة، بجانب الإعلام ولعله أول وزير يدير 3 وزارات في وقت واحد، بعد وفاة جمال عبد الناصر في سبتمبر 1970م، استعان به السادات مجدداً ليشغل منصب وزير الإعلام، ورئيساً للجنة العمل العليا لإعداد الدولة لحرب اكتوبر 1973م.
وعبد القادر حاتم هو صاحب خطة الخداع الاستراتيجي قبل نصر اكتوبر 1973م، حيث طلب منه السادات إعدادها قبل الحرب بعام كامل لتضليل إسرائيل والتكتم على الميعاد الحقيقي للحرب، حيث سعت إسرائيل عن طريق “الموساد” الذي زرع العديد من الجواسيس في مصر لمعرفة تحركات واستعدادات الجيش المصري للحرب، وعن هذه الخطة يقول الجنرال إيلي زعيرا رئيس المخابرات العسكرية الإسرائيلية في كتابه “حرب يوم الغفران: ” كل الأخبار التي كان ينشرها الإعلام المصري قبل الحرب، كانت حملة خداع من جانب الرئيس أنور السادات، أو شخص بجواره، وإن ذلك يعتبر أكبر نجاح لمصر في حرب يوم الغفران (اكتوبر).
وتحمل عبد القادر حاتم مسؤولية رئاسة الوزراء نيابة عن الرئيس السادات خلال فترة الحرب، وعن تجربته الإعلامية في حرب اكتوبر 1973م يقول الراحل في كتابه “دور الإعلام في تحقيق المفاجأة الاستراتيجية”: ” كانت أمامي فجوة عدم الثقة بين الشعب وأجهزة الإعلام نتيجة فقدان المصداقية في الحكومة وجهازها الحكومي عقب نكسة يونيو 1967م، لذلك كان دستور الإذاعة والإعلام المصري في حرب اكتوبر 1973م هو الصدق والسرعة في نقل الخبر، بحيث يتلقى المستمع المصري أول خبر عن أحداث الحرب عن طريق الإعلام المصري”.
وعن خطة الخداع الاستراتيجي قال: “عندما كلفني الرئيس الراحل أنور السادات قبل الحرب بأن أكون مسؤولاً عن الحكومة، وأنوب عنه في رئاسة مجلس الوزراء، قررت عدم الإدلاء بأي تصريحات مباشرة أو تلميحاً عن الأداء العسكري أو الاستعداد للحرب، وانطبق ذلك على القادة العسكريين والمدنيين، وكنا في هذا نستفيد من الدروس المؤلمة للنكسة، وعلى هذا الأساس جرى الإعداد والتخطيط لنصر أكتوبر.
ويضيف حاتم في كتابه:” ركزت الخطة الإعلامية قبل المعركة على الإيحاء أن مصر تتجه نحو العمل الدبلوماسي والنضال السياسي، والاستجابة لمطالب إرساء السلام في الشرق الأوسط، سربنا أخباراً بأننا سنقوم بحالة طوارئ ونشر الخبر في صحف لبنان، وبعض وسائل الإعلام العالمية، وقام موشيه ديان وزير الحرب الإسرائيلي بحشد قواته وإعلان حالة الطوارئ وتكلفت إسرائيل ثلاثة ملايين دولار، وبعد ذلك عرف بأننا لم نقم بتحريك قواتنا إلى جبهة القنال، وقال ديان أمام مجلس الوزراء الإسرائيلي “إن المناورات التي يجريها الجيش المصري غير موجهة إلى إسرائيل وإنما للاستهلاك المحلي” وعندما حشدنا قواتنا في أول اكتوبر 1973م، لم يحشد ديان قواته إلاّ يوم 6 اكتوبر بعد فوات الأوان. وعن المفاجأة التكتيكية لخطة الخداع الاستراتيجي يقول حاتم :” نجحت القوات المسلحة المصرية في إخفاء تسليحها وتدريباتها وخطة الهجوم وتوقيته وأسلوبه عن العدو، فقد أصدرت قراراً بصفتي المسؤول عن إعداد الدولة للحرب مع المشير أحمد اسماعيل علي بتشكيل لجنة سرية للغاية من القادة العسكريين وعدد محدود من الإعلاميين لوضع خطة الخداع لساعة الصفر، كان علينا التأكد من عدم تسريب توقيت العبور، سواء للمخابرات الأميركية أو الموساد الإسرائيلي، فطلبت من وزير خارجيتنا محمد حسن الزيات أن يطلب مقابلة هنري كيسنجر وزير الخارجية الأميركي، وطلب الزيات منه أن تحث اميركا إسرائيل على تنفيذ قرارات الأمم المتحدة من أجل الانسحاب من سيناء والأراضي العربية المحتلة، وكان جواب كيسنجر: ليس للدولة المهزومة أن تطلب شيئاً كهذا.
وأرسل وزير الخارجية المصري برقية للرئيس السادات تحمل استياء شديداً من نتيجة المقابلة، ولكن حاتم يذكر أن هذه البرقية من أسعد ما تلقيت في حياتي فمعناها أن خطة الخداع الاستراتيجي نجحت في تضليل أميركا وإسرائيل، وأن مخابراتهما لا يعرفان أنه بعد 24 ساعة ستقوم القوات المسلحة المصرية بالهجوم على إسرائيل في الثانية ظهراً.

إلى الأعلى