الجمعة 22 سبتمبر 2017 م - ١ محرم ١٤٣٠ هـ
الرئيسية / آراء / باختصار : الخوف من الفرح

باختصار : الخوف من الفرح

زهير ماجد

ليس هنالك ما يخيف من يتعرض لهذه الاستباحة الارهابية، لكن الارهاب يخاف الفرح تماما كما هو حال المستعمر والمحتل .. أولئك جميعا يتأملون وجوه مستعمريهم ومحتليهم اذا ما كانوا فرحين ويبتسمون، فلهذه الصورة معناها المخيف، وقد ترى بعين لا تقبلها لأنها خروج على قانون الاستعمار والمحتل، والتي تقوم على ان يظل الشعب عابسا ومكتئبا، وجهه اصفر وشاحب، وكلما نحل كان مرضيا.
اجمل الكلمات اذن سمعتها من الاسير الفلسطيني خضر عدنان الذي خرج من سجنه قبل ساعات ما قاله بأن الاحتلال يخاف فرحنا .. والفرح نتاج الاحساس بالحرية، كل اسير فلسطيني يشعر اليوم بان الاسرائيلي هو الأسير الحقيقي، وهو الخائف والمذعور، وهو من وجهه على شحوب .. كل مستوطن صهيوني يعي ان بقاءه على ارض فلسطين مؤقت وانه لا ديمومة ابدا فيصاب بالخيبة القاتلة.
كان نلسون مانديلا كلما واجه محاكمته يفرط في الابتسامة، ولكم ازعج القضاة والجالسين وراء قوس العدالة، بل انه امعن في الفرح كلما شاهد سجانيه .. وكان يشعر بانه حرا لأنه يمتلك القدرة على املاء رئتيه بضحكة من القلب .. ولابد ان الاسير سمير القنطار الذي مكث في سجون اسرائيل 27 عاما، قد صار مثار الفرحة التي لم تفارقه والتي حفظت له قدرته على الصمود الى اليوم الذي خرج فيه.
ولا يعني الفرح فقط تحريك الشفاه او القهقهة ، قد يكون الكلام مفرحا ، وقد تصبح النظرة المفرحة ذات معنى ، ولكن الفرح الاكبر حين يتمكن غير السجين ، وهو مسجون ايضا لأن بلاده محتلة ومستعمرة ، من النضال او حمل شتى انواع السلاح للتعبير عن فرح زائد بملاقاة مستعمره ومحتله بالطريقة التي يجب ان يعامله بها وهي المواجهة العسكرية .. فقد يكون الرصاص زغرودة الفرح التي تنطلق على العدو في اشهى لحظات التعبير.
كل تعبير اذن عن اداء ضد المحتل والمستعمر هو فرح مفرط .. مرة قال لي الكاتب الجزائري الراحل الطاهر وطار وكنا نتمشى في اكبر شوارع العاصمة ديدوش مراد ان انظر الى وجوه الناس العابسة ، واكمل بانها كانت ابان حرب التحرير اكثر فرحا .. وحين استفسرت منه عن الانقلاب الذي حصل في التعبير ، اجاب بأنه شعور طبيعي لشعب يصنع ثورة ، والثورة مفرحة بطبيعتها لأنها تربط الثائر بعقيدة قتالية فيها كل الحلول النفسية والعصبية والعقائدية والاجتماعية والانسانية ..
لا يخاف المنتصر حتى لو كان مكبلا بالحديد، مرة قال الشاعر محمود درويش عن قيد يده يوم اودع في السجن انها اساور اصراره واشعاره. كل فلسطيني اليوم في السجون الاسرائيلية لايخاف من الفرح، لكن الخائف الحقيقي هو سجانه الذي يرى سجينه يبتسم ويضحك ويقهقه وهو بالمقابل عابس مكفهر الوجه.
يعيش السجين وراء القضبان وقد يصبح فيلسوفا من فرط احساسه الانساني والوطني، وحين يخرج، يشعر بأنه خرج من السجن الاصغر الى الأكبر، والذي لم يتغير ايضا بسمته التي حارب فيها الظلام ثم قاوم بايمان لايتزحزح .. اما حالة العبوس التي تسيطر على السجان ومن هم في الحياة الاجتماعية الصهيونية ومن ثم اولئك الذين نصبوا قيادة صهيونية، فلكل منهم شعور الخوف من الفرح، لأنه لن يكون مهنة مشاعر لمن لم يتقن وطنيته بعد.

إلى الأعلى