الجمعة 26 مايو 2017 م - ٢٩ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / رأي الوطن: فلسفة التعليم والإجابة عن الأسئلة الملحة للمجتمع

رأي الوطن: فلسفة التعليم والإجابة عن الأسئلة الملحة للمجتمع

شكل الاهتمام بالتعليم أولوية الأولويات في فكر حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله ورعاه ـ منذ بزوغ فجر النهضة المباركة لدوره الكبير والعظيم في صناعة الأمم وصياغة فكرها، ولدوره المشهود في عملية البناء الإنساني، فالشعوب عرف عنها أنها بنت ـ ولا تزال تبني ـ حضارتها بالعلم والعلماء والباحثين المبدعين في مختلف المجالات الذين تترجم عصارات عقولهم إلى مشاريع بناء وتنمية ووضع حلول لكل ما يواجه الحضارة الإنسانية من عقبات، ودائمًا ينظر إلى الإبداع العلمي والفكري والثقافي والمعرفي على أنه ثمرة عملية مشتركة بين العناصر الثلاثة للعملية التعليمية وهي: الطالب والمعلم والمنهج.
وما من شك أن الطلاب من المنظور الوطني ومن المنظور الاستثماري، وفي مقاييس التقدم والتطور يعدون الأمل الواعد للوطن، فهم السواعد والعقول التي ستدير عجلة التنمية في مراحلها القادمة. وفي إطار هذا المنظور أقامت النهضة المباركة في بلادنا صروح العلم الشامخة لكي تحتضن هذا الأمل المستقبلي وتبث فيه روح الوطنية والولاء للنهضة، ولبانيها جلالة السلطان المعظم ـ أبقاه الله ـ مع رؤية علمية متطورة ومسايرة للعصر، ونحو آليات جديدة لتحفيز مسيرة التنمية والعمل الوطني، إلا أن هذه الرؤية لا يمكن أن تتضح معالمها، ولا يمكن لها أن تؤتي أكلها، ما لم تكن مبنية على استراتيجية تعليمية وفلسفة تعليمية وطنيتين واضحتين تأخذان في الاعتبار الرغبة العارمة لدى قطاع عريض من أبناء هذا الوطن في الانخراط في مؤسسات التعليم المختلفة، والقدرة على الإجابة عن الأسئلة الملحة التي يطرحها المجتمع حول الغاية من التعليم وأهدافه وتخصصاته ومساقاته ومؤسساته المختلفة، ومدى انسجام ما يقدم من علوم مع مبادئ المجتمع وقيمه وعاداته، ومراعاته متطلبات الحاضر واستشرافه آفاق المستقبل ومواكبته العصرنة مع عدم الإخلال بالثوابت الوطنية والدينية والمجتمعية الراسخة، مع سد ما ينقصه من احتياجات، وكذلك تحقيق الرغبة في الانخراط في سوق العمل، والأخذ في الاعتبار كيفية استيعاب الأعداد الهائلة من مخرجات الدبلوم العام في مؤسسات التعليم العالي المختلفة، والبحث عن التخصصات الملائمة والتي يتطلبها سوق العمل في البلاد بصورة واقعية ومتطابقة ولا يحيد عنها، بعيدًا عن حالات التصادم والتعارض بين التخصصات، وابتعادًا عن عمليات الملء غير المدروس لمقاعد الدراسة تحت أي عنوان من العناوين.
ومن هذه الزاوية كانت نقاشات مجلس التعليم أمس الأول في اجتماعه الثالث لهذا العام، حيث تصدر الاجتماع بحث وثيقة “فلسفة التعليم في سلطنة عُمان” والتي أسهمت في إعدادها ومراجعتها مختلف جهات الاختصاص وبمشاركة لفيف من الخبراء والمتخصصين في المجالات التربوية والثقافية والاجتماعية المختلفة، لتكون مرجعًا أساسيًّا لتوجيه ملامح السياسة التعليمية في السلطنة، وتوحيد الرؤى والممارسات في قطاع التعليم بمختلف مراحله وأنواعه، وقد وجه المجلس إلى استكمال الإجراءات المناسبة بهذا الخصوص. كما ناقش المجلس مشروع قانون التعليم المدرسي الذي تم إعداده بالتعاون بين جهات الاختصاص والمعنيين والخبراء في قطاع التعليم والمجالات الأخرى ذات الصلة، وتعزيز دور مؤسسات التعليم العالي في السلطنة في مجال إعداد وتأهيل المعلمين وتوجيه الراغبين في دراسة التخصصات التربوية إلى الالتحاق بمؤسسات الإعداد داخل السلطنة ودراسة السبل الكفيلة بذلك.
ومثلما كان الرهان في بداية النهضة المباركة على الإنسان العماني كرأس مال بشري يعتمد على العقل والمعرفة والبحث عن المعلومة وصناعة الأفكار والتطوير من أجل بلورة الأفكار إلى واقع ملموس، والمشاركة في عملية البناء والتطوير، لا يزال هذا الرهان قائمًا وممتدًّا ولا يعرف حدودًا. فبناء فلسفة للتعليم في السلطنة واضحة، وآخذة في الاعتبار كل التحديات القائمة التي يشهدها المجتمع أولًا وسوق العمل ثانيا، والغزو الفكري والثقافي ثالثًا، أمر تستدعيه ضرورات النجاح والتقدم والتطور، والاستقرار من جميع نواحيه.

إلى الأعلى