الإثنين 22 مايو 2017 م - ٢٥ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / المحليات / بداية سطر : لكل امرئ من صيامه ما اكتسب

بداية سطر : لكل امرئ من صيامه ما اكتسب

لا يختلف اثنان على أنّ شهر رمضان الفضيل مدرسة سلوكية فيها من الفضائل والقيم ما يسع به الإنسان تدبير حياته، وتخطيطها وفق أسس بيّنة يترجمها واقع التعايش خلال أيامه الطاهرة، إلى جانب أنه شهر رحمة ومغفرة وعتق من النار، إنّه كذلك، لكن بشرط أن نتبع تعاليم رسولنا الكريم، ونبتعد عمّا تمليه علينا أهواءنا الشّخصيّة ورغباتها. وأعني بذلك على الأقلّ الغلوّ في الأكل والشّراب، وغضّ الطّرف عن معاناة الآخرين مع هدر الوقت وفقدانه .
نعم تلك مظاهر يمارسها الناس كلّما يزورنا هذا الضّيف الكريم، أي رمضان. ذلك أنّ ما نلحظه هو ارتفاع فواتيرنا الغذائيّة في هذا الشّهر الكريم، لا لأنّ بعض التّجار يحاول استغلال المستهلك فحسب، وإنّما لكوننا نشتري ما لا نأكل، فيضيع بذلك المال هدرا وسدى. والحال أنّ ديننا ينهانا عن إضاعة المال. ويشهد على ذلك قول المصطفى: “دع القيل والقال وكثرة السّؤال وإضاعة المال”. باعتباره إسرافا وتبذيرا حيث يقول الله عز وجل ” إنه لا يجب المسرفين”. عندئذ نقول بأنه لا مال أفضل من العقل، أو كما قال علي كرم الله وجهه : “خير الناس، رجل وزن نفسه فجعل العقل ما بينه وبين هواه”. وفي وسع الانسان أن يعوّد نفسه على كل شيء حتى السير إلى الجحيم.
يقال بأنّ الإنسان مجموعة من العادات المكتسبة، ونترجم ذلك ما اعتدنا اقتناءه من كميات كبيرة من المأكولات المتنوعة بشكل يومي، حتّى إذا ما جاء وقت الإفطار لم نأكل منه إلاّ القليل، وما بقي من طعام لا يستفيد منه إنسان ولا حيوان بل يلقى في سلّة المهملات، هذا هو ديدن بعض البيوت اليوم، والخير في أن يخصّص منه ما يوزّع على العائلات المحتاجة التي تفطر بالشيء القليل ـ وهي كثيرة ـ فينال بذلك الثّواب بدل الإثم والإسراف والتّلف. ومن المعلوم أنّ من يفطر صائما فجزاؤه الجنّة. مصداقا لقول الرسول الكريم ” إتق النار ولو بشق تمرة” فلِم لا نطلب الجنة ونتق النار في هذا الشّهر بالإنفاق وإطعام الجائع، بدل تزويد المزابل بمزيد الفضلات التّي تلوّث البيئة؟
كما أنّ بعض النّاس يأكل أكثر من حاجته ربما خشية الجوع بوعي أو دون وعي، حتّى إذا جاء وقت الصّلاة أحسّ بالتّخمة فتذهب العبادة هباء منثورا. لأنّ البطن الممتلئ قلّما يفكّر ليصدق عليه القول القائل ” إذا امتلأت المعدة نام الفكر”. وإذا كان الإنسان عاجزا عن الخشوع في صلاته، فكيف يتّقي ربّه؟ ولعلّني لا أحتاج إلى القول بأنّ هذه الظّاهرة قد تؤدّي إلى المرض. وإذا كان الأمر كذلك فقد أدّى بنفسه إلى التّهلكة. وحتّى نتجنب ذلك ينبغي أن نأكل أقلّ ما يمكن؛ فنكسب هدية الرسول الامين حين قال: “صوموا تصحّوا”. ولا شكّ في أنّ الصحّة المكتسبة من الصّوم يشترط فيها الاعتدال في الأكل والشرب. ومن المعلوم لدى الجميع بأن “المعدة بيت الداء” فتجنب الداء ولا تتخم نفسك بالأكل كثيرا بحجة الصيام فمن مرضت سريرته، ماتت علانيته.
على كلّ حال، اقترب موعد رحيل الشهر، فهل أدركنا قيم الشهر الكريم ومبادئه؟ ربح من استفاد منه، فكافح ورابط في أيامه القيّمة ليمنحه الله النجاح والتفوق، وخسر من لم يستفد من دروسه، ولم يمتثل لأوامره، ولم يزجر نفسه عن الإهمال، ليجره إهماله إلى ويل وبيل، ومخطئ من ظن أنّ الصيام وتعذيب الجسد وحدهما ينقيان النفس، بل لا بدّ أن ترافقهما الفضيلة والصلاح والعفة أيضا من هنا يصح القول بأن لكلّ امرئ من صيامه ما اكتسب..

خلفان بن محمد المبسلي

إلى الأعلى