الثلاثاء 23 مايو 2017 م - ٢٦ شعبان ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / المحليات / حفظ النعمة.. ثقافة بحاجة إلى رعاية وتنظيم ومشاركة وطنية ومجتمعية
حفظ النعمة.. ثقافة بحاجة إلى رعاية وتنظيم ومشاركة وطنية ومجتمعية

حفظ النعمة.. ثقافة بحاجة إلى رعاية وتنظيم ومشاركة وطنية ومجتمعية

أحلام المقبالية : مبادرتنا ركزت على العمل الميداني والتعرف على مصير الأكل الفائض

سيف الخروصي : المجتمع لديه وعي بهذه المشاريع التي تنشط في شهر الخير

خديجة الراشدية : ثقافة تصريف فائض الأطعمة غائبة لأسباب اقتصادية

ساري مسعود : كمياتنا محدودة وفائض الطعام يذهب إلى عمال النظافة

تقرير : جميلة الجهورية
يقول الله عز وجل في سورة التكاثر: “ثم لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ”جديرة هذه السورة بالتأمل، وهذه الآية بالتدبر فقد حملت من المعاني والدلائل ما يدعو لمراجعة النفس وتأمل الواقع والنظر إلى مستقبل الإنسانية مع الهدر الحاصل للنعم ، لندرك أين تسير مع أبعاد الرؤية القرآنية لـ “التشريف والتكليف” وأبعاد المحاسبة على هدر النعم وحفظها والسؤال عنها عندما ” تتكاثر النعم” ويتعاظم الترف والإسراف ، خصوصا في هذا الشهر الفضيل ، الذي يتحول لموائد تتنوع بأشكال الطعام والشراب ، فبين 20% إلى 50% من الوجبات المعدة وحسب التقديرات العامة يذهب كثيرها إلى مكبات القمامة.
وقد فاجأت منظمة الأغذية والزراعة الدولية (الفاو) العالم بإحصائية أكدت فيها أن قيمة الطعام المهدر وبقايا الوجبات التي تلقى في القمامة ، تكفي لإطعام قرابة مليار إنسان حول العالم ، وأن معدل إهدار الغذاء في العالم يبلغ سنوياً مليوناً و300 ألف طن ، مشيرة إلى أن تلك الكميات الضائعة تعادل كمية إنتاج بلد من البلدان القابعة تحت خط الفقر، تكفي لإطعام 842 مليون جائع حسب إحصائيات2014م.
وعليه تطرح “الوطن” ومن جديد موضوع “حفظ النعمة” الذي أصبح هاجسا كبيرا في ظل تنامي ثقافة الاستهلاك الغذائي وارتفاع كلفة الحياة ، والهدر العام الذي أصبح بحاجة إلى تنبيه لمراجعة أخلاقيات الاستهلاك وقيم محاربة الجوع والفقر والإسراف والتبذير، ومراجعة الجهود المبذولة لدعم المبادرات الشبابية والمجتمعية والفردية، لتحقيق شكل من أشكال التنمية الاجتماعية والاقتصادية المستدامة ، وتشجيع البحث العلمي للبحث عن بدائل لتدوير الفائض من الطعام المهدر في ظل الاستهلاك الفاحش وتنامي المشاكل البيئية نتيجة للمخلفات العضوية التي تمتلئ بها حاويات القمامة وهنا نستعرض جهود بعض المبادرات الفردية والشبابية وحجم التغيير الذي أحدثته في مجتمعاتها المحلية أو تسعى له ، وطموحاتها :
فريق حفظ النعمة بالبريمي.. النموذج
فريق “حفظ النعمة” بالبريمي الذي يدخل عامه الرابع النموذج الذي استطاع أن يستمر في تجربته التي تحظى بالاحترام في المجتمع وتعاون الجهات المختصة بالمحافظة ، والذي بدأ قويا واستمر قويا بتفاني شباب المحافظة.
تقول أحلام المقبالية رئيسة الفريق حول عامهم الرابع وما يميزه : أنهم خرجوا إلى الميدان وركزوا على الزيارات واستطلاع رأي المجتمع من خلال استبانة تركز عن قرب على مصير الأكل الفائض في المنازل ، وكمية الأطباق التي تعد ، وهل يبقى طعام ، وكيف يتصرفون بالفائض من الطعام، ليتم خلال لزيارات توزيع صحون صحية وأكياس كتب عليها “الحيوانات أولى بها من الحاويات ” .
وتضيف بأن الذي يميز تجربتهم تعاون المديرية العامة للبلديات الإقليمية في محافظة البريمي معهم والتشجيع على التوعية والتركيز على الحاويات التي تعج بالأطعمة الفائضة وتتساءل احلام المقبالية : لا أعلم شخصيا متى سنرى حاويات فصل المواد في ولاياتنا وتقول : ولكني وبقوة أتمنى منهم فصل النعمة عن باقي المواد واستغلالها كأسمدة عضوية ويعاد تدويرها.
وتشير إلى أن عدد المتطوعين الأساسيين سبعة وكل شخص منهم معه مجموعة من المتطوعين وهذه السنة كل ثلاثة أيام على فريق مثال : ثلاثة أيام لفرقة المعازيب ، وثلاثة أيام لطلاب كلية البريمي، وثلاثة أيام لطلاب تقنية شناص ، وثلاثة أيام لبرنامج شبابي .
وتؤكد أحلام على وعي المجتمع بالبريمي ودعمه وتجاوبه مع الفريق، وعلى تجاوز بعض التحديات التي تحد من انتشار ثقافة حفظ النعمة وإعادة تصريفها والفائض من الأطعمة ، وتقول : لذلك تجاوزنا مرحلة التعفف من الأطعمة الفائضة والتشكيك فيها ، بل وصلنا لمرحلة التقدير والثقة ومشاركتنا في وضع الحلول والأفكار التي تعزز من انتشار الوعي بثقافة استغلال الأطعمة الفائضة ، وتسهم بمحاربة الإسراف والتبذير وتشير إلى أن الفريق مستمر في جمع واستقبال الأطعمة الصالحة والآمنة في موقع التجميع لحضانة الأجيال ، والتي يتم تجهيزها للمحتاجين ، وتوزيعها.
مبادرات فردية مجتمعية
وفي ولاية بوشر اجتمع عدد من نساء الولاية على توفير ثلاجة لحفظ الأكل بمسجد مرتفعات بوشر، والتي يتم استقبال الأكل الزائد عن الحاجة وتقديمه للمحاجين له ، يقول الشيخ سيف الخروصي وكيل المسجد : الهدف من ذلك وضع الأكل الفائض الذي يتم التأكد من صلاحيته وتغليفه وكتابة مدة صلاحيته ، كما أنها متاحة للجميع ويشير إلى أن العمال هم أكثر الفئات التي تستفيد منها ويفيد وكيل المسجد بأن هذه الفكرة ليست في مسجدهم فقط بل إن هناك تنافسا وتسابقا على فعل الخير في مساجد كثيرة وأخرى تهتم بمشاريع التكافل وتقديم إفطار الصائم وتخصيص ثلاجات للأطعمة الزائدة التي يمكن استغلالها ويعلق سيف الخروصي بأن المجتمع المحلي والشباب أصبح لديه وعي كبير ويضحي بوقته وناشط في مثل هذه المشاريع التي تنشط في شهر الخير ترسيخا لقيم التكافل في المجتمع ومظاهر التعاون.
ويشير إلى أن الوعي بدأ يمتد على مستوى تغيير ثقافة تناول الطعام وتقديمه في “صواني” صحون كبيرة والتي يلتف حولها الأشخاص ليأكلوا مجتمعين إلى ثقافة أخذ كل فرد حاجته من الطعام في صحن مستقل دون المساس بـالصواني ، ليدعو إلى تعزيز هذه الثقافة التي توفر كميات كبيرة من الطعام الذي يرمى في حاويات القمامة بعد الاستخدام.
من جانب آخر تنشط أم محمد خديجة بنت سيف الراشدية ومنذ حوالي ثلاث سنوات في جمع الفائض من موائد الحفلات والمناسبات التي تقام بمحافظة مسقط ، وبشكل فردي ومن دون مساعدة أي مؤسسة مدنية أو غيرها وقد تعارف على خديجة الراشدية والتي انتشر رقم هاتفها بين أوساط المجتمع على أنها جمعية لحفظ الطعام ، بينما هي فرد واحد همه عدم رمي الأكل الفائض في حاويات القمامة ، في الوقت أنه صالح للأكل وهناك من يحتاج له.
وتقول خديجة بنت سيف الراشدية : هذا الموضوع كان يشكل لها هاجسا كبيرا وكانت الفكرة بدايتها أن يكون هناك تعاون مع إحدى الفرق التطوعية، وحاولت بعدها طلب ترخيص لتأسيس جمعية لحفظ الطعام إلا أنها لم تجد ترحيبا ، وعادت إلى أدراجها تستقبل مكالمات الأشخاص الذين يبحثون عمن يصرف الفائض من الولائم والموائد المقامة .
وتشير أم محمد ” خديجة ” إلى أنها تستقبل الطعام في منزلها وتقوم بتصنيفه وتغليفه وحفظه وسعت إلى تخصيص ثلاجة في منزلها لحفظ ما يمكن حفظه وذلك بتبرع من إحدى المتطوعات .
وتعلق حول تعاون المجتمع وتجاوبه أنه لا يزال يعاني سوء الفهم لتقدير النعمة ، وترى أن المشكلة تكمن حتى في طريقة تصريف الطعام وما يمكن التبرع به وما لا يجوز لعدم صلاحيته، وتقول : لذلك تجد معاناة في توضيح ما يجب فعله.
وتضحك أم محمد من بعض المواقف التي تصادفها وتتعرض لها نتيجة بعض المغالطات ، حيث يعتقد البعض أنها تتسول الطعام عندما تهم بتجميع الفائض من الطعام أو تعرض على أصحاب المناسبة تجميعه وتجهيزه لتقوم هي بالتصرف في توزيعه ، كما أنها في كثير من الأحيان يتم الاتصال بها على أن هناك فائضا من الطعام في الصحون ، إلا أن الصدمة عندما تصل إلى الموقع تتفاجأ بالكميات المتبقية في الصحون وفي “المراجل”، والتي لم يكلف راعي المناسبة تجميعه أو توفير صحون لتوزيعه بها ، ليتم وضعها في الموقف دون أي مساعدة.
وتقول : أنا أقوم بتوزيع الفائض من الطعام فقط وليست مسؤوليتي تجميعه من الصحون وتغليفه إلى غير ذلك ، لكنني أفعل عندما لا أجد لتصريف تلك الكميات الكبيرة من الطعام والتي أتوجه بها إلى بعض الأسر التي أعلم بحاجتها والعمال في بعض المواقع كسوق الموالح .
وتشير خديجة الراشدية إلى أزمة التعامل مع الفنادق التي ترفض تسليم الأغذية الفائضة لتصريفها ، والتي يفضلون رميها في مكبات القمامة ، وقالت : كثير من الدعوات التي كانت تأتيني للحضور واستغلال الفائض من الولائم في الفنادق ، إلا أن إدارات المطاعم والفنادق كانت لا تستجيب للدواعي الإنسانية لتصريف الأغذية ، والحاجة إلى تعزيز ثقافة حفظ النعمة، بل كانوا ينظرون إلي نظرة دونية في الوقت الذي تكون موظفات الضيافة في استياء من الطعام الذي يهدر ويذهب إلى سيارات التجميع .
وترى أم محمد ” خديجة الراشدية ” أن الكارثة كبيرة في المطاعم والفنادق على وجه الخصوص ، فالأطعمة التي تتبقى لا يتم توزيعها على العمال والموظفين العاملين بالفنادق، كنوع من الوسائل لتصريف الفائض منها ، وتجد أن الثقافة غائبة لأسباب تجارية ربحية فيها .
الأوتوماتيك .. نموذج
من جانبه يقول ساري مسعود مدير فرع مطعم الاوتوماتيكي ببريق الشاطئ : إنهم يحاولون جاهدين عدم رمي الطعام ، فما صلح منه للاستخدام يتم تغليفه وتوزيعه على عمال النظافة في الشوارع ، وما لم يكن صالحا يتم التخلص منه .
وأكد أنهم يعملون على ذلك في رمضان وغير رمضان ، ولكن في رمضان بالتأكيد يكون هناك فائض من الطعام ، لذلك يتم تصريفه وتوزيعه ، وغير الصالح من الأكل يتم تصنيفه فليس جميعه يتم رميه في القمامة ، فمنها ما يجب تلفه مباشرة كنفايات ، وأشار إلى أنه لا يوجد تعامل مع البلديات لتصنيف الفضلات الغذائية والفائضة ، على أن يعاد تدويرها من جديد كمواد غذائية للحيوانات وما شابه ذلك .
ويوضح حول حجم الخسائر التي يتعرضون لها نتيجة الاستهلاك غير الرشيد للطعام وميزانية الصرف، أنهم لا يعانون من تلك الخسارة الكبيرة لأنهم على خبرة بالاحتياجات العامة ، وحجم الطلبات التي ترده والتقديرية لتغطيته ، والتي على ضوئها لا يبالغون في تجهيز الأطعمة، كونهم شركة وتحسب إجمالي خسائرها وأرباحها ، وقال : كمياتنا محدودة وهناك سقف محدد للإنتاج اليومي من الطعام ، والتي تتوافق مع أيام الطلب والتي ترتفع مع الأجازات والمناسبات .
وحول ثقة المجتمع الاستهلاكية والطلب على الوجبات يعلق ساري مسعود أن هناك مبالغة بعض الشيء وهي موجودة في الوطن العربي بشكل عام على خلاف العالم الغربي الذي لا يتعدى حاجته وكميته.
وفيما يتعلق بدورهم الإرشادي وتوعية الزبائن بتقدير حاجتهم من الوجبات أشار إلى أن هناك من لا يتقبل النصيحة ولا يرحب بها على أنها تدخل في الخصوصيات ، فبقدر الإمكان يتم توضيح مدى كفاية الطبق سواء لشخص أو شخصين وتقدير حاجة كل فرد من الأطعمة والوجبات المقدمة بتصنيفاتها المختلفة وكفاياتها الغذائية ، والتي على ضوئها يترك فيما بعد الحرية للشخص لطلب الزيادة ، لكن لا يوجد قانون يضبط أو يجبر الأشخاص على الالتزام بتناول الوجبات.
ويتمنى ساري مسعود أن تتبنى الجمعيات الخيرية والتطوعية هذا المشروع وأن تهتم بالمشاريع التطبيقية أكثر من الإعلامية ، ويرى أن العديد من الجمعيات والفرق دورها إعلامي أكثر من كونه عمليا وصار له سنوات بالسلطنة ولم يلحظ مبادرات تهتم بحفظ النعمة والتي يمكن للمطاعم وغيرها من المؤسسات العودة لها والتنسيق لتصريف الأطعمة المتبقية واستغلالها وتدويرها من جديد سواء في رمضان وغيره من الشهور.
بنوك الطعام
جدير بالذكر سبق “الوطن” وطرحت في عددها (10419) الصادر في 14 فبراير 2012م، تحقيق يتناول بنوك الطعام كنموذج لمشاريع تعالج الفقر والجوع، وتناولت الحاجة لتنفيذ التجربة التي بدءت في عدد من الدول العربية كالسعودية ومصر والأردن، وتسعى تلك الدول إلى إيجاد حلول ومبادرات لتحقيق شكل من اشكال التنمية المستدامة حينما أضحت غاية تسعى لها مختلف الدول الناهضة في ظل سيادة الأنماط الاستهلاكية وطغيان مظاهر البذخ والإسراف في حياة المجتمعات الخليجية على وجه التحديد، والتي ارتفعت فاتورتها مع معتقدات الضيافة والتعبير عنها في ظل غليان المجتمعات بغلاء المعيشة.

إلى الأعلى