الجمعة 20 أكتوبر 2017 م - ٢٩ محرم ١٤٣٩ هـ
الرئيسية / المحليات / رحاب : الاتصال بالنور

رحاب : الاتصال بالنور

كنت أراقب ذلك الشيخ الجليل الذي يصلي خلف الإمام مباشرة في صلاة القيام، ثم يتقدم ليؤمنا في صلاة ركعة الوتر. أصغي إلى صوته الندي يتفجر شبابا وحيوية واخلاصا. يصلي دائما في نفس المكان، وراء الإمام، يدخل الى المسجد صامتا ويخرج صامتا، لكن حركته وحيويته تذكرني بالقديسين والأولياء. أرى فيه أولئك الأتقياء الذين تتصل أرواحهم بالله فلا يشيخون، ويحتفظون بشبابهم وبذاكرتهم القوية ويأسرون من حولهم بالحب والرحمة ونكران الذات، ترى النور يمشي معهم، ترى النور في حضورهم، ترى الله سبحانه وتعالى عندما تراهم، ترى الأنبياء وترى القديسين وترى الملائكة، ترتقي إلى سماوات أخرى من النور، وتنتقل إلى وعي آخر، وتختبر مشاعر أخرى معتقة من جميع الذنوب، خالصة لله، ونظيفة تماما من الأنانية، وخالية تماما من الأقنعة، صافية. ترى في حضورهم ليلة القدر، وترى اليقين، وتعيش طمأنينة مطلقة. هو نفس الشعور الذي كنت أعيشه بحضور جدتي رحمها الله التي أمد الله في عمرها حتى تجاوزت التسعين عاما، وكانت تقرأ القرآن بدون عدسات طبية، وكانت تظهر شبابها وتتحدى الشيخوخة بدون معارك معها، وإنما كان نورها ينتصر على الظلمة، وينتصر على الفناء، وينتصر على الأنا، وينتصر على الظروف، بل إن نورها أساسا لا يتعارك مع أي شيء، بل يتصالح مع كل شيء، يمتزج بكل شيء فيحوله إلى نور. كنت أشعر بحضورها قويا جدا، وكنت أرى في حضورها سعادة وسرورا، كانت دائما معطاءة، كانت كريمة ومرحة، كانت تعشق العلم، وتعشق الذكر والاستغفار والتسبيح، ولم تكن متزمتة، كانت تحتفي بالحياة، وتقبل على مباهجها كمن يسبح في نهر من النعم والملذات دون أن تتملكها تلك الأشياء الجميلة التي كانت ترفل فيها، لأن روحها السامية كانت أظهر من جميع الماديات ومن جميع الملموسات ومن جميع المتذوقات، فهي الجمال في عباءة من النور. وبينما كنت أتأمل هذين النموذجين الذين عايشتهما يحضر إلى ذهني أشخاص صالحون آخرون لم يتلقوا تعليما مخطوطا، ولكن الله علمهم، أذكر جيدا أحدهم وكان جدي لأمي. كان رحمه الله أميا، لا يقرأ ولا يكتب، وكانت لغته المحكية هي اللهجة الشحرية التي يتحدث بها سكان جبال ظفار، وكنت أستيقظ على إيقاع صوته في السحر وهو يناجي الله سبحانه وتعالى بأحلى وأعذب الأذكار والتقرب وكم كان صوته نديا وعلى قيثارة أنسام السحر. وعندما مرض ذلك الشيخ الجليل ودخل في غيبوبة الوفاة ظلت جوارحه تسبح الله وتذكر الله، وقبيل صعود روحه إلى بارئها نهض حتى استوى جالسا ثم رفع الأذان بصوت كانت أرجاء الغرفة تردد صداه، وعندما أكمل رفع الأذان؛ صعدت نفسه المطمئنة إلى ربها راضية مرضية. من علم هؤلاء؟! من حفظ لهم شبابهم وحيويتهم؟! إنه النور الذي يتصلون فيه ليل نهار. إنه الذكر. يقول الله سبحانه وتعالى:” يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا. و سبحوه بكرة وأصيلا. هو الذي يصلي عليكم وملائكته. ليخرجكم من الظلمات إلى النور وكان بالمؤمنين رحيما” (سورة الأحزاب: 41-44).
فذكر الله باللسان والعقل والشعور، والسعي هو إحياء لحبل النور الذي يصل الإنسان بالمصدر، يصل الإنسان بنور السموات والأرض، فتنشط الحياة، وتتقد حيوية الإنسان، فيتألق ويبدع بفعل النور الذي يتغلغل في كل خلية وكل ذرة وكل عصب من حياة وكينونة الذاكر.

د. أحمد بن علي المعشني
رئيس مكتب النجاح للتنمية البشرية

إلى الأعلى