الأربعاء 20 سبتمبر 2017 م - ٢٩ ذي الحجة ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / الاقتصاد / القانون والناس .. قراءة في قواعد روتردام للنقل البحري الدولي للبضائع (2) المدى الزمني لمسؤولية الناقل البحري

القانون والناس .. قراءة في قواعد روتردام للنقل البحري الدولي للبضائع (2) المدى الزمني لمسؤولية الناقل البحري

إذا كانت مسؤولية الناقل البحري من أهم موضوعات القانون البحري، فإن تحديد المدى الزمني الذي تنطبق فيه المسؤولية تعتبر من أهم المسائل المرتبطة بهذه المسؤولية… والواقع أن تحديد النطاق أو المدى الزمني الذي يحكم مسؤولية الناقل البحري قد شهد تطورا ملحوظا في الاتفاقيات الدولية المعينة بتنظيم النقل البحري… بيان ذلك أنه بدءا من اتفاقية بروكسل 1924 وأيضا تعديلاتها حددت المدى الزمني لمسؤولية الناقل بأن جعلت هذا الأخير مسؤولا عن هلاك البضاعة أو تلفها في الفترة ما بين شحن البضاعة على ظهر السفينة لحين ما يتم تفريغها من على سطح السفينة، ولذلك يقال أن التزام الناقل في اتفاقية بروكسل يمتد فقط من السفينة إلى السفينة- وبالتالي تبنت مفهوما ضيقا للإطار الزمني لمسؤولية الناقل وقد نتج عن تبني الاتفاقية لهذا المفهوم المضيق عدة مشكلات قانونية كبيرة منها مفهوم عملية الشحن والتفريغ حيث أثار هذا المفهوم جدلا واسعا في الفقه، فقد رأى البعض أنه يجب فهم عمليتي الشحن والتفريغ بمفهوم موسع بحيث تزيد مرحلة الرحلة البحرية بقدر المستطاع، … وعلى خلاف ذلك رأى البعض الآخر من الفقه إلى ضرورة التقيد بالمعنى الحرفي للمصطلحات الواردة في النص وعلى هذا يجب أن تبدأ مسؤولية الناقل من رص البضاعة على ظهر السفينة لا قبل ذلك، وتمتد فقط إلى تهيئة البضاعة للتفريغ ولذلك لا تمتد المسؤولية الى عملية التفريغ ذاتها. ولهذا سعت قواعد هامبورج 1978م الى توسعة المدى الزمني لمسؤولية الناقل البحري، وتبنت مبدأ آخر أكثر وضوحا وأقل إثارة للمشكلات القانونية، مفاده أن الناقل يسأل عن هلاك البضاعة أو تلفها في الفترة التي تكون فيها البضاعة في حراسته أي منذ اللحظة التي تسلمها في ميناء الشحن إلى اللحظة التي يسلمها في ميناء التفريغ أي من الميناء إلى الميناء. وفيما يتعلق بمشروع قواعد روتردام الجديد، فقد عالج مسؤولية الناقل البحري وما يتفرغ عنه من مسائل قانونية بطريقة مختلفة عن معالجة الاتفاقيات الدولية السابقة لها… بمعنى أكثر وضوحا أن مشروع الاتفاقية الجديدة أخذت في اعتباره التطور الذي لحق بنظام النقل البحري للبضائع على المستوى الدولي وتطور نمط النقل بحيث شمل النقل من مواقع الإنتاج في بلد معين الى أماكن التوزيع أو الاستهلاك في بلد آخر باستخدام أكثر من وسيلة نقل على أساس عقد نقل واحد وهذا ما يطلق عليه “النقل متعدد الوسائط” ولهذا فإن الاتفاقية تجاوبا مع هذا التطور وهذا التنوع تبنت مفهوما ومدى زمنيا أكثر توسعا، وهذا ما أوضحته المادة (12/1) منها عندما ربطت سريان قواعد المسؤولية التي تتضمنها بفكرة تسلم الناقل أو الطرف المنفذ للبضائع بغرض نقلها أيا كان مكان تسليمه لها، أي تسلمها في ميناء الشحن أو خارجها وتنتهي المسؤولية عندما يسلم الناقل البضاعة أيا كان مكان التسليم كذلك ويطلق على هذا الإطار الزمني للمسؤولية من الباب الى الباب، والواقع أن تحديد قواعد روتردام للمدى الزمني لمسؤولية الناقل على هذا النحو يجعلها تتميز عن الاتفاقيات السابقة… أما فيما يتعلق بالمدى الزمني في القانون البحري العماني… فإنه وأن كانت سلطنة عمان لم تنضم الى اتفاقية بروكسل ولم تصدق عليها، الا أن قانونها الوطني تأثر كثيرا بنصوص هذه الاتفاقية فيما يتعلق بطريقة تحديده للمدى الزمني لمسؤولية الناقل البحري، أي أنه تبنى المفهوم المضيق لمسؤولية الناقل البحري بدلالة المادة (260/1) منه “تسري أحكام المسؤولية المذكورة في هذا الفصل على النقل البحري بمقتضى سند الشحن الى الفترة الواقعة بين شحن البضائع في السفينة وتفريغها منها.” وعلى هذا… وإن كان لنا رأي في هذا الموضوع نوصي المشرع العماني بتبني مشروع قواعد روتردام فيما يتعلق بالمدى الزمني لمسؤولية الناقل البحري… أي “من الباب إلى الباب”.
وللحديث بقية عن هذه الاتفاقية…

د. سالم الفليتي
محام ومستشار قانوني
كاتب وباحث في الحوكمة والقوانين التجارية والبحرية
salim-alfuliti@hotmail.com

إلى الأعلى