الخميس 20 يوليو 2017 م - ٢٥ شوال ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / العين الثالثة .. حكومتنا .. وإشكالية الفكر الأحادي

العين الثالثة .. حكومتنا .. وإشكالية الفكر الأحادي

د. عبدالله عبدالرزاق باحجاج

أين عقول المرحلة الوطنية الراهنة؟ تساؤل لا يحمل في طياته نكران وجود هذه العقول، ولا استنكار دورها، وإنما هو مطروح لدواعي العصف الذهني، لعلنا نحرك عقولهم نحو آفاق جديدة غير نمطية حول كيفية التعاطي مع بعض اولويات المرحلة، والتي أبرزها، ترشيد الانفاق الحكومي في ظل استمرار الازمة النفطية، فلم تخرج لنا هذه العقول من خلال جلسات عصفها الذهني سوى بحلول نمطية مكررة وكلها تمس البعد الاجتماعي، كوقف الترقيات، وتجميد المرتبات، وعدم تحسين الوضع الاجتماعي … الخ. وفي كل الأزمات النفطية، يكون البعد الاجتماعي دائما هو ضحية حلول تلك العقول، ولعلنا نذكر بأزمة التسعينيات التي كان المئات إن لم يكن الآلاف من الموظفين يتلقون تقاعدهم الإجباري ،، المفاجئ،، عن طريق الفاكس، وكذلك مع بداية اندلاع الأزمة الراهنة.
التفكير في جوهره لم يتغير أبدا، ولولا حاكمية القانون وفعالية الرأي العام، لربما تم تمرير نفس الحلول القديمة، وهذا تطور في حد ذاته، فالقانون والرأي العام يعدان من أهم الضمانات التي تحمي الحقوق الآن، لكن تظل هناك قضية وطنية تشغلنا بالقدر الذي يشغلنا البعد الاجتماعي، وهي حتمية الترشيد بصرف النظر عن وجود أزمة نفطية أم لا، فكيف بوجودها، إذ ينبغي أن يكون الترشيد حالة دائمة ومستدامة، فهى ليست بالضرورة أن ترتبط بالأزمات، وإنما هي جانب عقلاني في تصريف الموارد على أوجه إنفاق محددة تبتعد كلية عن التبذير والإسراف مهما كانت صوره، من هنا لا بد من التفكير بصورة مختلفة تماما، وحتى لو جاء تفكيرنا متسقا مع الأزمة الراهنة، فإن أية جلسة عصف ذهني لابد أن تخرج بمجموعة تساؤلات استراتيجية أبرزها ،هل بلادنا بحاجة الآن إلى إعادة هيكلة مؤسسات وهيئات الدولة ومن في مستوياتها لكي تتمكن من مواجهة مجموعة تحديات كبرى منها اقتصادية ومالية واجتماعية؟ وحتى نلم بكل أبعاد هذا التساؤل، نتساءل كذلك عن الهيكل الحالي للدولة هل يحقق الرضا الاجتماعي؟ وهل يتناغم مع الوضع المالي للدولة الناجم عن انخفاض أسعار النفط ؟ كنا قد طرحنا هذه التساؤلات في التحقيق الذي اجرته جميلة الجهورية المنشور في جريدة (الوطن) مؤخرا، وقلنا فيه إن السلبية المتفاوتة تتبادر الينا منذ الوهلة الاولى ،، شكلا ومضمونا ،، بحيث أي متأمل في هيكل الدولة سوف يخرج بنتيجة واحدة، وهي تعدد وتداخل مؤسساته وهيئات في بعضها البعض مما يشكل عرقلة حقيقية للعمل الحكومي، ويزيد الوضع سوءا تعدد اللجان والفرق في مختلف القطاعات، لجان دائمة وأخرى مؤقتة، واللجان بدورها تنشأ داخلها فرق للدراسة أو فرق مستقلة داخل الوزرات، مما يظهر لنا الثقل المؤسساتي للدولة، المعرقل للتنمية أحيانا، وهذا الثقل يرهق مالية الدولة كثيرا في الازمات ودونها، ولا يعبر عن تقدير سياسي واع للظرفية المالية التي تمر بلادنا في اطار ما تشهده اسعار النفط من انخفاضات متواصلة، ولا يعبر كذلك عن خياراتها العقلانية المفترضة اصلا بصرف النظر عن السياقات والظرفيات التي تمر بها البلاد، فعندما تنفجر مشكلة أو تظهر مسألة (ما) أو يريد مسئول ما يحرر نفسه من المسئولية، يشكل لجنة أو فريق عمل مما يفرغ ذلك عمل اطر ادارية بل ووزارات، ويثقل موازنة الدولة الى درجة أننا من كثرتها واستمرار التوجه فيها، أصبحت لدينا الرؤية تتجه نحو دراسة الاستغناء عن الوزارات وتحويلها الى هيئات عمومية، وقد كان معالي يوسف بن علوي عبدالله الوزير المسئول عن الشئون الخارجية صريحا ونافذا عندما نعت الجهاز الاداري للدولة بالترهل قبل أن يتراجع عنه بوصف أخر وهو التراخي، وقد نرجع الاسباب الى العددية المؤسساتية الكبيرة وتداخلها وتشابكها، وكذلك كثرة الهيئات واللجان والفرق، فالهيكل التنظيمي الحالي للدولة ثقل مؤسساتيا وهو مترهل ومتراخ بشهادات معالي يوسف نفسه، وهو كذلك قليل الإنتاج وتتراكم فيه أعداد كبيرة من الموظفين الكاسدين، والواجبات والمسئوليات فيه متداخلة ومتشابهة، فهل ينبغي أن يستمر الوضع كما هو عليه أم ضرورة اصلاح هيكلية الدولة وسريعا؟
لقد أصبح الاصلاح الان ضرورة سياسية ومالية معا، وكان ينبغي على عقول المرحلة الراهنة ان تهتدي اليه مبكرا أي قبل اندلاع الازمة الراهنة، وبقاء الوضع كما هو عليه لا يخدم الا المنافع الخاصة وليس العامة ، والاصلاح المنشود هنا ليس على مستوى اعادة النظر في الهيكلة المؤسساتية فقط وإنما في الافكار والقوانين الحاكمة للعمل المؤسساتي، فعلى سبيل المثال، فإن اي مسئول يحضر اجتماعات خارج وزارته هى من صلب عمله واختصاصاته تعطي له مكافآت مالية كبيرة عن كل اجتماع .. من وزير الى وكيل ومدير عام ومدير.. الى درجة أن البعض يحرصون كل الحرص على حضور اجتماعات اللجان أكثر من فعالية ادوارهم داخل وزارتهم ، لأن وراء اجتماعات اللجان مكافآت مجزية .. هنا مصلحة شخصية في بقاء الوضع كما هو عليه، بل والاستمرار فيه ، وهو يبدو لنا وكأنه هيكل للانتفاع الخاص، هذا إذا كنا حادين في الرؤية، وخارج نطاقها يمكن القول إن اعادة النظر فيه قد أصبح من اهم الضرورات الوطنية لفعالية العمل الحكومي من جهة ولترشيد الانفاق من جهة ثانية .. وإذا لم نقدم على ذلك ، فسيكون عندنا مشكلة إذ لا يكفي القول بالترهل أو التراخي دون البحث عن الحل .. والحل لن يكون في الحلول النمطية والتقليدية … للموضوع جزء ثان .
متابعات ..
نشكر بلدية ظفار على استجابتها الفورية لمقالنا الأخير ،، من المسئول عن اللوحات التي تنصب على الشوارع ،، حيث قامت ليلة أمس بنزع اللوحة المثيرة للجدل ، وهذا دلالة على مبدأ التكاملية الذي ينبغي أن يسود المرحلة الوطنية الراهنة بين وسائل الاتصال والجهات الحكومية والرسمية ، فشكرا لها على المتابعة صحفيا ، وعلى التنفيذ فورا .

إلى الأعلى