الثلاثاء 28 مارس 2017 م - ٢٩ جمادي الثاني ١٤٣٨ هـ
الرئيسية / آراء / ما بعد الاتفاق مع اليونان..

ما بعد الاتفاق مع اليونان..

” “لا” التي قالتها اليونان هي بداية تشكيل “البديل”، في اتجاه صياغة نظام اقتصادي جديد قائم على التشاركية والمساواة والرحمة، من الممكن أن يستغرق الأمر من الوقت الكثير للوصول الى هذا البديل، ولكنه أمر ممكن في ظل تجربة “لا” اليونانية، ولكن الأهم، هل تقبل أوروبا والغرب ذلك؟! أم تغلب عليها شهوة الانتقام.. كالعادة ؟!”
ــــــــــــــــــ

لم تفاجئنا أوروبا بموقفها من التطورات المتعلقة بتسوية ديون اليونان، بدأتها بالارتباك والحيرة، واحيانا الرفض، من موقف رئيس الوزراء اليوناني أليكسيس تسيبراس بدعوته لاستفتاء اليونانيين على المقترحات المطروحة على طاولة المفاوضات، وانهتها بممارسة كل الضغوط والوسائل الممكنة للالتفاف على نتيجة الاستفتاء الذي أظهر من خلاله اليونانيون صلابة في الموقف ورفضا قاطعا تجاه ما طرحته بروكسل بشأن اشتراطات السداد والتي تم تأسيسها على مبدأ واحد، “التقشف”.
أوروبا الحائرة بين قيمها المعلنة المنحازة للديمقراطية وآلياتها، واحترام خيارات الشعوب، وبين مصالحها الاقتصادية والجيوسياسية من جهة أخرى، نراها “ممتعضة” من احتماء تسيبراس باليونانيين ومشاركتهم في امر سيؤثر على أبسط وأدق تفاصيل معيشتهم اليومية، هذا الموقف يطرح تساؤلات جوهرية حول ما تروجه أوروبا حول تلك المنظومة القيمية التي تدعي أوروبا والغرب عموما حمايتها حتى ظن الناس انها تحتكرها.
بالطبع من حق “ترويكا” الديون القلق على ما يقرب من سبعمائة مليار دولار جملة المستحقات الاوروبية لدى أثينا، ولكن يجب ان تبحث أوروبا اولا في أسباب الأزمة التي يعاني منها اليونانيون منذ عشر سنوات، يجب ان يعلم الأوروبيون انهم السبب الرئيسي فيما وصلت به الأمور في اليونان، البحث المنصف البعيد عما تروجه آلات الغرب وأبواقه من أباطيل حول تلك الأزمة التي تسبب فيها في المقام الأول تعامل المصارف والمؤسسات الأوروبية مع اليونان باعتبارها “فريسة” وجب الانقضاض عليها، واستغلال العجز اليوناني لرفع الفائدة على السندات، وهذا ما حدث في 2010، وانتهى الامر باستحواذ مصرف دويتشه “اكبر مصرف في ألمانيا” على تلك السندات عقب تقرير يحذر فيه من ازدياد نسبة المخاطر، فارتفعت فائدتها إلى 6,2 %، كما لم تسلم الحكومات اليونانية في التسعينيات والعقد الاول من الألفية من التواطؤ، ساعدتها نخب برجوازية شرسة، استقوت على فقراء اليونان من جهة وكذلك ضللت حلفاءها الأوروبيين من جانب آخر بالبيانات الضريبية الملفقة والتقارير المالية المبالغ فيها، كل ذلك ساهم في اتساع الازمة وتعقيدها.
ورث تسيبراس تركة ثقيلة ومركبة من الديون والازمات، تورطت فيها بلاده بفعل غياب الشفافية والتشاركية خلال الفترة التأسيسة لانضمام اليونان للاتحاد الاوروبي، والتي بنى عليها الاوروبيون مبررات إلحاق أثينا بالاتحاد، يسعى الرجل لتجاوز هذه الحقبة بما فيها من آلام وإخفاقات، يدخل في صراع ارادات مع “رأسمالية متوحشة” تخشى من نجاح تجربة “الانعتاق” من اغلال الاستغلال والتصيد وانتقالها إلى شعوب أخرى رضيت بما لم يقبله اليونانيون، هتف الرجل في خطاب فوز “لا” في الاستفتاء، فقراء اليونان خط أحمر, وثق فيه القوم, منحوه “لا” بنسب تصويت قياسية ومعدل نجاح استثنائي في بلد يعيش الانقسام منذ عقدين، قال تسيبراس في خطاب النصر ما لم يسمعه اليونانيون منذ عقود، طمأنهم على معاشهم وقوت يومهم، أسس لدى اليونانيين مفاهيم جديدة عن العلاقات بين الأمة والدولة، وهذا أمر جديد أن يطرحه حاكم على أمته، في ظل اتباع انظمة ما بعد الحداثة استراتيجيات حكم تعتمد على تجهيل الشعوب وتجاهلها كركيزة لتثبيت أركان أنظمة الحكم وتدعيمها، تحدث تسيبراس إلى اليونانيين باعتبارهم اليونان، اذا جاعوا، جاعت اليونان، وإذا اهينوا، اهينت اليونان، واذا غضبوا غضبت اليونان، وإذا أُحيوا، حَيت اليونان، هي رسالة موجهة ضمنيا الى ذئاب أوروبا المتحفزة لالتهام ما بقي من هذا البلد، خرج الرجل على قومه بابتسامة الواثق، وهي لم تفارقه أينما حل، يرتدي مثل ما يرتدون، في بلد على شفا الانهيار الاقتصادي، لا يخرج من على رأس السلطة فيه الا بما يناسب الوضع العام في هذا البلد، تسلل الى قلوبهم رغم مغامرته المحفوفة بالمخاطر، غير مأمونة النتائج، تدور في ذهن اليونانيين تساؤلات حائرات وهم في الصفوف المتراصة على أبواب المصارف موصدة الابواب بانتظار استلام دفعة من راتب أو معاش، هل ينجح الفتى في انتشال هذه الأمة من كبوتها ؟! هل تسمح أوروبا وبرجوازيتها المتأصلة بمثل تلك المناورات ؟! أم تواصل وعيدها وتهديدات، تلوح أوروبا بأوراق التجويع والحصار عبر “المؤلفة قلوبهم” من اذرعها في الداخل على الرجل ورفاقه ؟!
يبدو أن عملية تخليص اليونان من تلك المعضلة مهمة بالغة الصعوبة، لتعيقدات الأزمة وامتدادها من الداخل إلى الخارج وافتقاد أثينا لأدوات فاعلة لمواجهة ما يمليه “الديانة”، ضغوط وتهديدات الاوروبيين خاصة الصقور منهم، والكلام حول الخروج من اليورو أو حتى الخروج المؤقت مثلما يطرح الألمان، أمر يثير القلق، ليس لدى اليونانيين فحسب إنما لدى مجمل الجماعة الاوروبية، انفراط عقد الاتحاد امر حاضر وبقوة مع خروج اليونان المحتمل، وهو أمر خارج إطار التنفيذ الفعلي لعدم رغبة طرفي الصراع في وصول الامور لتلك المحطة، والأكيد ان الجميع حريص على التوصل لاتفاق يحفظ التجربة من الانهيار.
يبقى أن تلك الازمة تطرح المزيد من التساؤلات حول تشابكات العلاقات التي ظهرت على سطح العالم مع ظهور “الليبرالية الجديدة” وتأثيراتها المجتمعية والاقتصادية والسياسية.
رفض اليونان لخطط اوروبا ومشروعاتها القائمة على آليات لا تراعى الفئات الأكثر تأثرا بعواصف الاقتصاد والسياسة، يحيل الامر الى مناطق أبعد من تلك العاصفة، فوصول الاوروبيين الى اتفاق مع اليونان يعد أمرا لا مفر منه، الاهم ما بعد هذا الاتفاق، سواء نجح تنفيذ الاتفاق أو لم ينجح، رفض اليونان للطرح الاوروبي يجب ان يتحول الى مسار ونهج، حتى وإن كان رمزيا، في مواجهة ابتزاز المصارف والشركات العابرة للقارات وقوى الهيمنة، هذا النهج ضرورة وواجب في طريق الوصول لـ”بديل” فاعل وعملي للالتفاف على تأثيرات الرأسمالية على حياة الناس ومعاشهم، والناس هنا هم الـ 90% ممن لا يملكون الا 10% من الثروات المتركزة بيد الـ10% من كبار المُلاك المحتكرين للاقتصاد والسياسة.
“لا” التي قالتها اليونان هي بداية تشكيل “البديل”، في اتجاه صياغة نظام اقتصادي جديد قائم على التشاركية والمساواة والرحمة، من الممكن أن يستغرق الأمر من الوقت الكثير للوصول إلى هذا البديل، ولكنه أمر ممكن في ظل تجربة “لا” اليونانية، ولكن الأهم، هل تقبل أوروبا والغرب ذلك؟! أم تغلب عليها شهوة الانتقام.. كالعادة ؟!

محمد مصطفى
mmh164@gmail.com

إلى الأعلى